في السياسة كثيرًا ما تكشف اللغة طريقة التفكير أكثر مما تكشفه القرارات.. ومن يتابع تصريحات شريف فتحي وزير السياحة والآثار، يكتشف سريعًا أن الرجل لا يتحدث عن السياحة بالطريقة التقليدية التي اعتدنا عليها لعقود، بل يتحدث عنها بلغة «الرؤساء التنفيذيين»، باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا، وصناعة ديناميكية تحتاج إلى إدارة دقيقة، مرنة، ومحسوبة المخاطر.
ومن وجهة نظري فإن الرجل القادم من عالم الطيران وإدارة الشركات الكبرى، لا يبدو منشغلًا بالخطابات الرنانة أو العبارات المستهلكة في المؤتمرات واللقاءات.. هو يتحدث عن «السعة المقعدية» للطيران قبل أن يتحدث عن الحملات الدعائية، وعن «الطاقة الاستيعابية» للغرف الفندقية قبل الأرقام المستهدفة، وعن «العائد الاقتصادي» قبل أعداد السائحين.. وهنا يكمن مفتاح فهم شخصيته الإدارية.
تغيير فلسفة السؤال السياحي
استراتيجية الوزير شريف فتحي لا تنطلق من السؤال التقليدي: كيف نجذب مزيدًا من السائحين؟.. بل من سؤال تشغيلي بحت: هل تملك البنية التحتية القدرة على استيعابهم والاحتفاظ بهم؟.. قد يبدو الفارق بسيطًا، لكنه في الحقيقة فارق بين مدرستين:
- المدرسة الأولى: تنشغل بالتسويق وجذب الطلب اللحظي دون جاهزية.
- المدرسة الثانية (التي يمثلها الوزير): تركز على «جاهزية المنتج»، وإزالة الاختناقات التشغيلية، وضمان جودة التجربة السياحية أولاً كضمانة للاستدامة.
ولهذا، تتكرر في تصريحات وزير السياحة والآثار مفاهيم مثل: الاستثمار الفندقي، تشجيع الطيران المنخفض التكاليف، وربط المقاصد السياحية (كدمج السياحة الشاطئية بالأثرية).. هو يتعامل مع السياحة كـ«سلسلة إمداد» مترابطة، أي خلل في إحدى حلقاتها كفيل بإفشال المنظومة كاملة.
معادلة الـ 30 مليون سائح.. أرقام تشغيلية لا شعارات ترويجية
الأمر اللافت أيضًا أن الوزير شريف فتحي لا يتعامل مع مستهدف الـ«30 مليون سائح» كشعار دعائي، بل كـ«معادلة تشغيلية معقدة».. فالوصول لهذا الرقم لا يتحقق بحملة ترويجية مبتكرة فحسب، بل يتطلب آلاف الغرف الجديدة، ومئات الرحلات الإضافية، وتسهيلات تشريعية وإجرائية تجذب المستثمر، وهى عقلية محاسبية ترفض فصل النتائج عن مقدماتها المادية.
ما يميز أسلوب إدارة شريف فتحي أيضا، هو إعادة تعريفه لـ «قيمة السائح».. فالسياحة بالنسبة له ليست سباقاً عددياً، بل أداة لتعظيم الدخل القومي من العملة الأجنبية.. لذلك، يركز على زيادة متوسط إنفاق السائح، وإطالة مدة إقامته، وابتكار منتجات سياحية جديدة (كالسياحة الاستشفائية وسياحة اليخوت) وتثبيت هوية السياحة المصرية بـ«تنوع لا يضاهى»، متبنياً السؤال الأهم: ما هي القيمة المضافة التي تركها السائح للاقتصاد المصري؟
وفي هذا السياق، يبرز «المتحف المصري الكبير» في رؤيته، ليس فقط كصرح أثري لترميم وحفظ التاريخ، بل كـ«محفز اقتصادي استراتيجي» قادر على إعادة تشكيل صورة المقصد المصري، ورفع القيمة السوقية للتجربة السياحية ككل، وجعل القاهرة مقصداً سياحياً قائماً بذاته (Short City Break).
تنظيم وحوكمة.. دور جديد للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص
إلى جانب هذه العقلية الرقمية، يظهر في أسلوب الوزير بُعد آخر يتعلق بـ«دور الدولة» فهو يرى الوزارة جهة «منظمة ورقابية» وميسرة للأعمال، لا جهة تتدخل في تفاصيل الإدارة التشغيلية للقطاع الخاص.. وهو يؤمن بتمكين القطاع الخاص كقاطرة أساسية للمشهد، مع فرض معايير رقابية صارمة تضمن الحفاظ على سمعة المقصد السياحي المصري.
إدارة المخاطر والأزمات الجيوسياسية
وما يمنح أسلوب إدارة شريف فتحي تماسكاً حقيقياً هو طريقة تعاطيه مع التحديات والأزمات المركبة.. فالرجل تولى المسؤولية في توقيت تشهد فيه المنطقة توترات جيوسياسية متلاحقة تؤثر مباشرة على حركة الطيران والسياحة الوافدة للشرق الأوسط.. وهنا، لم يلجأ الوزير إلى مسكنات الترويج المؤقتة، بل تعامل بعقلية «إدارة المخاطر» عبر مسارين:
- الأول هو «تنويع الأسواق» عبر توجيه البوصلة نحو أسواق جديدة وغير تقليدية (مثل السوق الصينية، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية) لتعويض أي تراجع محتمل في الأسواق الكلاسيكية، وهو فكر يعتمد على تحويط المخاطر.
- الثاني هو «المرونة التشغيلية».. فالأزمات عنده لا تعني التوقف، بل تعني إعادة توجيه الطاقات، فإذا تأثر نمط سياحي معين، يتم الدفع فوراً بأنماط أخرى مثل السياحة الثقافية أو سياحة المؤتمرات واليخوت.
وفي مواجهة التحدي الداخلي الأكبر وهو «البيروقراطية وتشابك الاختصاصات» بين الوزارات والهيئات، لا يدخل الوزير في صدامات إدارية، بل يفضل أسلوب «اللجان المشتركة» ذات الأهداف المحددة، مفككاً المشكلات الكبيرة إلى ملفات صغيرة تُحل بالأرقام والجداول الزمنية، ومحولاً التحدي من «أزمة مسؤولية» إلى «مصلحة اقتصادية مشتركة» لكافة الأطراف.
بناء الجسر بين الرؤية والواقع
التحدي الذي يواجهه شريف فتحي اليوم لا يتمثل في صياغة الرؤى الاقتصادية، بل في تغيير الصور التقليدية الراسخة عن القطاع السياحي حتى في عقول بعض أبناء المهنة مع ضرورة التطوير ومواكبة تحديات وتحديثات العصر وبناء الجسور بين الفكر الاستثماري الكلي وبين تفاصيل واحتياجات القطاع على الأرض.. ومع ذلك، يبقى من الواضح أن الرجل يقود الوزارة بعقلية مختلفة تماماً.. عقلية ترى السياحة «صناعة ثقيلة» بالمعنى الاقتصادي، تبنى على لغة الأرقام، مؤشرات الأداء KPI، والحسابات الدقيقة، بعيداً عن صخب الشعارات.

البيضة والحجر!
د. محمد محسن رمضان يكتب: الجيل الجديد من التجسس الرقمي يهدد الخصوصية الإلكترونية
دينا الصاوي تكتب: تسعون دقيقة من الانتماء





