في اقتصاد القرن الحادي والعشرين، لم تعد الصادرات تكفي بالقطن والبترول والمنتجات المادية فقط، بل أصبحت تتعداها إلى عدد العقول التي تؤثر في العالم، وعدد الشهادات التي تُمنح، وعدد الشراكات البحثية التي تُغير العالم. بل! إننا يمكن أن نصف "تدويل التعليم العالي" بنفط العقول. وبالنسبة لمصرنا الجديدة، لم يعد تدويل التعليم العالي خيارًا لتحسين جودة جامعاتنا فحسب، بل! يتعداها ليشكل هدفاً محورياً لغايات استراتيجية ثلاثة، تتمثل في: (1)تصدير التعليم المصري كصناعة، (2)ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للمعرفة، و(3)توسيع شبكة الشراكات مع جامعات الصف الأول عالميًا وفي هذا المقال يجد القارئ الكريم تأصيلاً لقضية تدويل التعليم العالي، تلك القضية التي تتبناها الدولة المصرية، ممثلة في وزارة التعليم العالي، من خلال الإجابة على سؤال لماذا التدويل، وكيف نتعلم من تجارب دول سبقتنا وحولت جامعاتها إلى قوة ناعمة وصلبة في آن واحد.
لماذا التدويل-المعادلة المصرية الجديدة؟
في ظل التحديات العالمية المتسارعة، أصبحت الجامعات تمثل أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، ودعم مكانة الدول على الساحة الدولية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية توسيع حضور الجامعات المصرية عبر فتح فروع لها في دول الخارج كوسيلة لتقوية مكانة مصر العلمية، وتوفير فرص تعليمية أفضل للطلاب، مع تدعيم التبادل الثقافي والاقتصادي بين مصر والعالم.
إن الجامعات المصرية تُعد من أقدم الجامعات في المنطقة، وتحظى بتاريخ عريق وسمعة علمية مميزة، إلا أن تصنيفها الدولي لا يعكس دائمًا حجم التطور والجهود المبذولة. ولعل فتح فروع خارج مصر من الممكن أن يسهم في منحها حضورًا دولياً أكثر قوة، من خلال تقديم برامج تعليمية تتوافق مع معايير الجودة الدولية، والتعاون مع جامعات مرموقة في العالم.
ومع اهتمام الدولة المصرية بتيسير استضافة الطلاب الوافدين للدراسة في جامعاتها، فإن توفير فروع للجامعات المصرية في مناطق جغرافية مختلفة من شأنه أن يسهل على الطلاب من الدول العربية والأفريقية الوصول إلى التعليم العالي، بصفة خاصة غير القادرين على السفر إلى مصر، ما يساهم في زيادة عدد الطلاب وتوسيع قاعدة المستفيدين من البرامج التعليمية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الدول المضيفة، مع تطوير برامج تدريبية مشتركة، وتعزيز التعاون البحثي مع جامعات عالمية. ما ينعكس بشكل إيجابي على البحث العلمي والتنمية التكنولوجية، ويخلق فرصًا للشراكات الدولية، فضلاً عن تعزيز دور مصر كمركز علمي وتعليمي إقليمي.
دعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل
ليست البضاعات المادية هي وحدها ما تباع وتُشترى، بل أصبحت الخدمات من السلع الرائجة، وصار تصدير التعليم يمثل صناعة بمليارات الدولارات، ولا يمكن إنكار إن التعليم العالي اليوم يمثل خامس أكبر قطاع لتصدير الخدمات في الولايات المتحدة الأمريكية، وثالث أكبر مصدر للدخل في بريطانيا.
والأرقام تتكلم: فقد سجل العائد من الطلاب الدوليين 48 مليار دولار أسترالي في أستراليا عام 2023 حيث تفوق قطاع التعليم على صادرات الفحم. وفي بريطانيا، يُضاف للعائد الصافي للخزانة 37 مليار جنيه إسترليني سنويًا من الطلاب الدوليين، كما تشير التقاري إن كل 11 طالب دولي يخلقون 10 وظائف للبريطانيين.
وإذا علمنا إن الدولة المصرية تستقبل حاليًا ما يربو عن الـ 120 ألف طالب وافد، وتستهدف استقطاب 250 ألف طالب في 2030. فلو فرضنا إن متوسط إنفاق الطالب 8 آلاف دولار سنويًا، فنحن نتكلم عن صناعة بـ 2 مليار دولار، قادرة على دعم الجنيه وتشغيل قطاعات كاملة، ولعل تجربة ماليزيا تمثل نموذجاً يُحتذى، فقد رفعت شعار "Malaysia: Education Hub" واستطاعت أن تجذب 170 ألف طالب دولي. وماذا لو دعمنا ذلك بتصدير التعليم العالي عن طريق استحداث فروع للجامعات المصرية بالدول العربية والأفريقية.
ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للمعرفة
على الرغم إن الأزهر الشريف كان بمثابة "جامعة العرب" تاريخيًا منذ 970م، كما إن جامعة القاهرة قد خرجت نُخب المنطقة كلها، إلا إن المركز الإقليمي لا يُورَّث، بل يُنتزع في كل جيل. ولا يمكن إنكار إن دول الجوار تتحرك بسرعة، فقد استقطبت الإمارات مجموعة من فروع الجامعات الدولية، مثل: جامعة نيويورك وجامعة السربون الفرنسية وجامعة برمنجهام البريطانية وغيرها، بفروع كاملة، كما أطلقت المملكة العربية السعودية "استراتيجية
وهناك العديد من النماذج الدولية التي أثبتت نجاحها في هذا المجال، ومنها: جامعة هارفارد الأمريكية، التي تمتلك فروعًا ومراكز بحثية في مناطق مختلفة من العالم، مثل مركز هارفارد في أبوظبي، والذي يمثل الجامعة في الشرق الأوسط، ويتيح للطلاب المحليين والوافدين فرصة الاستفادة من برامجها، كذلك فإن جامعات جورجيا وليهاي، لديها فروعها في الشرق الأوسط لتقديم برامج دراسية مشتركة مع جامعات محلية. كما إن لجامعة نوتنجهام البريطانية فروعها في ماليزيا وشنغهاي، مع التركيز على التفاعل الثقافي والبحثي بين الفروع والمقر الرئيسي. أما جامعة سنغافورة الوطنية، فقد توسعت لتشمل مراكز بحثية وبرامج تدريبية في عدة دول، رغبةً في دعم التعاون الدولي ورفع مكانتها العلمية. هذه النماذج تُظهر كيف أن التوسع الدولي والتواجد الإقليمي للجامعات يؤثر في مكانتها، ويوفر فرصًا تعليمية متنوعة، ويؤدي إلى فوائد اقتصادية وعلمية.
الشراكات الدولية اختصار طريق التطوير 50 سنة: لا توجد جامعة صعدت للتصنيفات العالمية بمفردها، فالصعود يتم عبر الشراكات " المصعد الأكاديمي" فالشراكة مع جامعات دولية تعني نقل مناهج، تبادل أساتذة، ومشاريع بحثية ممولة. وكان لجامعة الملك عبد الله في السعودية تجرتها، تلك التي بدأت 2009، واليوم هي الأولى عربيًا في عدد الأبحاث لكل أستاذ بفضل الشراكات مع Stanford وBerkeley وCambridge .
5 مسارات للتدويل مستلهمة من نماذج عالمية ناجحة:
• إنشاء فروع للجامعات المصرية الكبرى في دول الخليج العربي (مثل المملكة العربية السعودية والإمارات) للاستفادة من الطلب المتزايد على التعليم العالي المتميز، مع تقديم برامج مشتركة مع جامعات عالمية، مستوحاة من نموذج جامعة نيويورك في أبوظبي.
• إنشاء فروع للجامعات المصرية في دول شمال أفريقيا (مثل المغرب والجزائر وتونس)، مع دراسة تجربة جامعة القرويين في المغرب التي تجمع بين التراث والتحديث.
• تأسيس فروع للجامعات المصرية في دول شرق أفريقيا (مثل كينيا وأوغندا) لدعم التعليم التقني والمهني، بالاستفادة من تجربة كلية كينيا التقنية الناجحة.
• فتح فروع للجامعات المصرية في دول غرب أفريقيا (مثل نيجيريا والسنغال) مع التركيز على برامج الدراسات العليا والبحث العلمي، مستلهمين من التجربة الناجحة لجامعة ليبروف في نيجيريا التي تركز على البحث والابتكار.
• تأسيس مراكز تعليمية مشتركة في دول عربية مثل الأردن ولبنان، لتعزيز التعاون الأكاديمي وتبادل الطلاب، بالاستفادة من تجارب الجامعات ذات الشراكات الدولية الناجحة، مثل الجامعة الأمريكية في بيروت.
5 أركان لنجاح تدويل التعليم العالي المصري:
• المنتج الأكاديمي الجاذب، ويكون عن طريق البرامج البينية (باللغة الإنجليزية) فقد ضاعفت جامعة اسطنبول التقنية عدد الوافدين 4 مرات في 5 سنوات، بعدما حولت 80% من برامجها للإنجليزية. بالإضافة للشهادات المزدوجة والمشتركة، ولعل في برنامج "الهندسة المدنية" بين جامعة القاهرة وجامعة شتوتجارت، الذي يمنح الطالب شهادتين خير مثال، فقد حقق نجاحاً كبيراً في سوق العمل الخليجي والأوروبي. هذا بالإضافة إلى تعميق التخصصات ذات الميزة النسبية، ف مصر لها الريادة عالميًا في 4 مجالات، هم: طب المناطق الحارة، علم المصريات، هندسة الري والصحراء، والدراسات الإسلامية الوسطية من الأزهرالشريف ، هو ما يمكن أن نسميه "النفط الأكاديمي المصري" الذي لا تملكه جامعة هارفارد.
• بيئة الطالب الدولي، هو ما يمكن الطالب أن يكون عامل قوة لمشروع التدويل، وربما تعلق الأمر أكثر بالوافدين، فالفيزا السريعة والإقامة يمثلان قيمة، كما إن السكن والحياة الجامعية اليسيرة يمثلان عناصر نجاح، وتعد تجربة "EduCity" الماليزية مثالاً ناجحاً، وهي مدينة كاملة للطلاب فيها 10 جامعات وسكن ومواصلات وترفيه. وفي مصر، فإن العلمين الجديدة والعاصمة الإدارية مؤهلتان لخلق نفس النموذج. ولعل التسويق الذكي:هو أحد عناصر النجاح، وفي تركيا أمثلة ناجحة، حيث تستخدم المسلسلات والقوة الناعمة لجذب الطلاب الدوليين. ومصر تملك السينما وكرة القدم والأزهر.
• شراكات البحث والابتكارو الفروع البحثية: والسؤال يطرح نفسه: ماذا ينقصنا لنجذب معمل ذكاء اصطناعي من ETH Zurich في مدينة المعرفة بالعاصمة الإدارية؟ مع العلم إن الفروع البحثية أهم من الفروع التدريسية. كما يمكن ربط الشراكات بالصناعة، فمصر قادرة على ربط شراكاتها مع جامعات عالمية بمشروعات المنطقة الاقتصادية للقناة والمثلث الذهبي.
وختاماً فنحن نستطيع الخروج من المحلية إلى العالمية، فقد قررت ألمانيا بعد الحرب العالمية أن أفضل انتقام هو تصدير جامعاتها. أما سنغافورة، فبلا موارد استطاعت أن تصبح "سويسرا آسيا" عبر التعليم. كما استطاعت ماليزيا الخروج من فخ الدخل المتوسط من خلال الاستثمار في الطالب الدولي. أما مصر، فتملك كل المقومات: التاريخ، الموقع، الحجم، والبنية التحتية الجديدة. ولابد أن نؤمن أن التدويل هو الجسر الذي ينقلنا من دولة بها 3.7 مليون طالب إلى دولة تؤثر في 300 مليون شاب في محيطها الإقليمي. والمعادلة بسيطة: كل طالب وافد = مشروع تصديري. كل شراكة مع جامعة مرموقة = اختصار 10 سنوات تطوير. كل خريج أجنبي من مصر = صوت لنا في محفل دولي. تدويل التعليم العالي ليس رفاهية بل هو أمن قومي معرفي واقتصادي.

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل





