أفكار متقاطعة

قمة إعلامية داخل مطبعة قديمة

سليمان قناوى
سليمان قناوى


هل للصحافة الورقية مكان فى عصر الذكاء الاصطناعى؟ الرد جاء خلال قمة الإعلام والذكاء الاصطناعى لدول شمال أوروبا التى عقدت داخل مطبعة قديمة، جدرانها ملطخة بالأحبار، تحيط بها ماكينات الطباعة من كل جانب. وبين أزيز الخوادم الذكية ورائحة الحبر، اختار منظمو القمة مطبعة بالدنمارك مقرا لها تذكيرًا بأن الصحف الورقية نجت سابقًا من تحولات تقنية كبرى، فكيف نضمن النجاة لها الآن؟

السؤال الذى فرض نفسه خلال القمة لم يكن: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعى فى غرف الأخبار؟ بل كان سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن للصحافة أن تحافظ على دورها فى عالم أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، وأصبح الذكاء الاصطناعى قادرًا على تلخيص الأخبار وكتابتها وتحليلها فى ثوانٍ؟ من هنا لا ينبغى النظر للذكاء الاصطناعى باعتباره عدوًا للصحافة. فالتكنولوجيا نفسها يمكن أن تصبح جزءًا من الحل.

إذ تستطيع المؤسسات الإعلامية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى لتفريغ المقابلات، وتحليل البيانات، وترجمة المحتوى، ومساعدة الصحفيين فى البحث وجمع المعلومات.

وبدلًا من إهدار ساعات طويلة فى هذه الأعمال الروتينية، يمكن توجيه الجهد البشرى لإنتاج التحقيقات الاستقصائية والتحليلات والملفات الخاصة.

وهو ما لا تنجزه الخوارزميات،  فالخبر العاجل يقرؤه الجمهور على الهاتف، أما ما يستحق الاحتفاظ به والعودة إليه فيُنشر فى النسخة الورقية.

لذا أكدت القمة أن العنصر الحاسم فى مستقبل الصحف الورقية لن يكون التكنولوجيا وحدها، بل الثقة. فكلنا أصبحنا فى ريب من الكثير من المنتجات الإعلامية المولدة بالذكاء الاصطناعى فبعضها مزيف؛ مما يعيدنا للاقتناع بأن المصداقية تأتى دوما من كل ما هو مطبوع.

لذلك فإن السؤال الحقيقى ليس ما إذا كانت الصحف الورقية ستختفى أم لا، بل ما إذا كانت المؤسسات الصحفية قادرة على إعادة اكتشاف دورها الآن.

فالصحيفة التى ستنجح ليست الأكثر انتشارًا على المنصات الرقمية، وإنما الأكثر قدرة على بناء الثقة وتقديم المعرفة. ولعل هذا مغزى انعقاد هذه القمة داخل مطبعة قديمة.

لم يكن الأمر احتفالًا بالماضي، ولا إعلانًا لوفاته، بل رسالة بأن كل ثورة تكنولوجية تجبر الإعلام على إعادة تعريف نفسه. وكما نجت الصحافة من تحديات الراديو والتليفزيون والإنترنت، فإنها تستطيع أن تجد مكانها فى عصر الذكاء الاصطناعى أيضًا، بشرط أن تدرك أن المستقبل لا يُبنى بالدفاع عن الأدوات القديمة بل بإعادة اكتشاف الرسالة الأصلية للصحافة: خدمة الحقيقة وكسب ثقة القراء.