صميم القضية

اغتيال خلف الشاشة

محمود عمر
محمود عمر


هناك جرائم لا تترك آثار أقدام على الأرض، لكنها تترك ندوبًا عميقة فى حياة أصحابها.. جرائم لا تحتاج إلى سلاح، ولا إلى مواجهة مباشرة، يكفى فيها هاتف صغير، وحساب مجهول، وكلمات تكتب فى لحظة غضب أو مقابل مصلحة، لتبدأ قصة طويلة من الألم لا يعرف أحد أين تنتهى..

لقد ظهر فى حياتنا شارع جديد. شارع لا تغلق أبوابه، ولا يحتاج أحد فيه إلى تصريح لكى يتحدث، لكنه فى بعض الأحيان تحول من مساحة للتواصل إلى ساحة مفتوحة للنيل من الآخرين.. إنه عالم مواقع التواصل الاجتماعى.

لم تكن المشكلة يومًا فى التكنولوجيا، فالأدوات لا تحمل الخير أو الشر داخلها، وإنما تكشف ما بداخل مستخدميها.

لكن الخطر يبدأ عندما يصبح البعض قادرًا على إطلاق الاتهامات دون دليل، وتشويه الأشخاص دون معرفة، وتحويل الخلافات الشخصية إلى حملات عامة.

فبعض الصفحات لم تعد تنقل رأيًا، بل تصنع خصومة، وبعض الحسابات لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن هدف.

المشهد أصبح يحتاج إلى وقفة: كيف أصبح منشور مجهول المصدر قادرًا على هز صورة إنسان بناها عبر سنوات؟ وكيف أصبحت كلمات قليلة من خلف شاشة تستطيع أن تفعل ما لا تفعله حملات طويلة فى الواقع؟

الأغرب أن بعض هذه الحملات لا تأتى دائمًا من اختلاف فى الرأى، بل من حسابات لها مصالح، أو أشخاص يدفعهم الحقد، أو جهات تعرف كيف تستخدم الفضاء الإلكترونى لصناعة ضجيج يبدو وكأنه رأى عام.

وهنا يجب أن تصل رسالة مهمة لكل مسئول وصاحب قرار:ليس كل ما يكتب خلف الشاشات يعبر عن الحقيقة، وليس كل ما يعلو صوته يستحق الاهتمام.

فبعض الضجيج مصنوع، وبعض الصراخ له من يدفع ثمنه، وبعض الكلمات لا تبحث عن إصلاح بقدر ما تبحث عن إرباك وتشويه.. القرار الرشيد لا يبنى على منشور مجهول، ولا على حملة إلكترونية، ولا على موجة غضب عابرة، بل على التحقيق والحقائق والمستندات.

فالإنصاف يبدأ عندما نفرق بين المواطن الذى يطالب بحق، وبين من يستخدم المنصات كسلاح لإسقاط الآخرين.