الأكثر خطورة من التعصب نفسه، أن يتحول أصحاب المنابر الإعلامية إلى رعاة له.. وحين أقول أصحاب المنابر فأنا لا أقصد جمهوراً غاضباً يكتب تعليقاً عابراً بعد مباراة، وإنما أتحدث عن بعض اللاعبين السابقين والنقاد والإعلاميين والمؤثرين الذين يمتلكون القدرة على تشكيل الوعى وتوجيه المزاج العام.. حيث تصبح المسئولية أكبر من مجرد رأى.
من حق الجميع أن ينتقد الأداء، ومن حقهم أن يختلفوا مع اتحاد الكرة أو المدرب أو اختيارات اللاعبين.. فالرياضة لا تتقدم إلا بالنقد.. لكن هناك فارقاً هائلاً بين نقد المنتخب وبين الدعوة إلى مقاطعته، وبين الاعتراض على قرار وبين تمنى الفشل لمن يمثل وطناً بأكمله.
عندما يدعو أحدهم الجماهير إلى عدم مؤازرة المنتخب، فهو لا يعاقب مسئولاً ولن يطيح بمدرب ولن يغير تشكيلاً.. كل ما يفعله أنه يزرع فكرة خطيرة، وهى أن الخلاف الرياضى يمكن أن يكون أقوى من الانتماء الوطنى.
وهذه ليست أزمة كرة قدم، بل أزمة إدراك.. فالمنتخبات الوطنية وجدت أصلاً لتكون نقطة الالتقاء الأخيرة بين المختلفين.. قد يختلف الجمهور على الأندية، وقد يتصارع حول اللاعبين، وقد ينقسم حول الإدارات، لكن المنتخب كان دائماً المنطقة التى تتوقف عندها الخلافات.
المفارقة أن كثيراً ممن يدعون إلى مقاطعة المنتخب يتصورون أنهم يدافعون عن العدالة أو يواجهون أخطاء قائمة.. لكن التاريخ لم يتذكر الذين تمنوا الهزيمة لمنتخبات بلادهم، بينما يتذكر الذين اختلفوا وانتقدوا، ثم وقفوا خلف علم بلادهم عندما بدأت المباراة.. لأن الوطنية ليست أن توافق على كل شيء، وإنما أن تظل منحازاً لبلدك حتى وأنت مختلف.
ولهذا فإن الدعوة إلى مقاطعة المنتخب، أياً كان صاحبها وأياً كان مبررها، ليست موقفاً رياضياً بقدر ما هى انتصار للحظة غضب على حساب فكرة أكبر. فاللاعب سيرحل، والمدرب سيتغير وكأس العالم سينتهى، لكن المنتخب سيبقى، لأنه ليس ملكاً لجيل ولا لإدارة ولا لنادٍ، بل ملك للمصريين الذين يرون فيه صورة وطنهم عندما يخرج إلى العالم...
ومن هنا فإن أخطر ما صنعه التريند أنه أقنع البعض بأن الانتصار للأندية أهم من الانتصار للوطن نفسه، وأن تصفية الحسابات أهم من رفع العلم..
وأرى أنه عندما تصل الرياضة إلى هذه النقطة، فإن المشكلة لا تكون فى الكرة التى تدور داخل الملعب، بل فى العقول التى فقدت القدرة على التفرقة بين المنافسة والانتماء، العقول التى تبحث عن التريند مهما كان الثمن حتى وإن كان على حساب الوطن.. وهنا لابد من وقفة جادة مع هؤلاء الذين يفسدون كل شيء بدون وعى من أجل التريند.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







