يوميات الأخبار

حكايات من دفاتر الآثار

د. زاهى حواس
د. زاهى حواس


ظل الطفل يتبعه حتى وصلا إلى مقصورة الإله بتاح، حيث أخذ الأثرى يفحص بعض الأحجار القديمة بعناية. وفجأة، حدث انهيار فى بعض الحوائط القديمة. تجمع أهل القرية ليروا ما حدث، لكنهم لم يجدوا أثرًا للطفل.

 

أمُّنا الغولة فى الكرنك!

كنت أقلّب فى بعض الصفحات القديمة التى كتبتُها من قبل، فوقعت عينى على حكاية طريفة وغريبة، أو بالأحرى حكاية خرافية، كانت قد قصّتها عليّ الدكتورة جيهان زكى. فقد عثرت على دفتر يوميات قديم كان يخص الأثرى الفرنسى جورج لجران، الذى كان يعمل فى معبد الكرنك عام 1895م.

ومن المعروف أن الأثريين فى ذلك الوقت كانوا يدونون فى دفاتر يومياتهم كل ما يتعلق بأعمال الحفائر، وما يكتشفونه من آثار، بل كانوا يسجلون أحيانًا المواقف الغريبة التى تقابلهم أثناء العمل. وقد ترجمت الدكتورة جيهان ما كتبه لجران من الفرنسية إلى العربية، وفيه يقول إن العمل فى معبد الكرنك كان يسير على قدم وساق، فى جو من التفاهم بين العمال ورئيسهم، إلا أن أمرًا غريبًا لفت انتباهه، وهو إصرار رئيس العمال على عدم إرسال العمال إلى الناحية الشمالية الشرقية من المعبد، حيث يوجد معبد صغير للإله بتاح وزوجته الإلهة سخمت.

وكان داخل هذا المعبد تمثال من الجرانيت الأسود للإلهة سخمت، التى اتخذت هيئة امرأة برأس لبؤة، وعُرفت فى مصر القديمة بقوتها وسطوتها. حاول لجران أكثر من مرة أن يرسل العمال إلى هذا المكان، لكنهم كانوا يفرون منه، بل إن بعضهم كان يتغيب فى اليوم التالى إذا أصرّ على ذهابه إلى معبد بتاح. وبعد عدة أشهر من الحيرة، استدعى رئيس العمال ليسأله عن السبب، فأجابه بعد تردد أن هذا المكان تسكنه «أمّنا الغولة»، وأن العمال لا يمكن أن يذهبوا إلى مكان توجد فيه الغولة.

عندئذ أدرك لجران أن الأمر لا يتعلق بالكسل أو التمرد، بل بخوف شعبى متوارث ارتبط فى أذهان العمال بتمثال الإلهة سخمت، ذات الهيئة المهيبة. ويبدو أن تمثالها الأسود القائم فى ذلك الركن الهادئ من الكرنك قد تحول فى خيال الناس إلى صورة مخيفة تشبه الغولة فى القصص الشعبية. وهكذا تكشف لنا هذه الحكاية أن الآثار ليست مجرد أحجار وتماثيل، بل هى أيضًا حكايات الناس ومخاوفهم وخيالهم الشعبى.
غريب الدار

لو نظرنا إلى حياة الحفائر الأثرية، فسنجد أنها لم تكن مجرد أعمال كشف وتنقيب، بل كانت مليئة بالحكايات والمواقف الغريبة التى سجلها الأثريون فى مذكراتهم وخطاباتهم. ومن بين هذه الحكايات قصة كتبها الأثرى الفرنسى جورج لجران، أحد الذين عملوا فى معبد الكرنك، وترجمتها الدكتورة جيهان زكى من الفرنسية إلى العربية.

تقول القصة إن أحد الأثريين الأوروبيين كان يتجول فى صباح أحد الأيام داخل معبد الكرنك، وفى يده قلم ودفتر صغير يدون فيه ملاحظاته، ويبحث بين الأحجار المتناثرة عن كسرات فخارية أو بقايا أثرية قد تقوده إلى كشف جديد. وكما كانت العادة فى القرى القريبة من المناطق الأثرية، خرج الأطفال لمشاهدة هذا «الخواجة» الغريب، وسار خلفه أحد أطفال القرية بدافع الفضول، وربما طمعًا فى قطعة حلوى أو عملة أجنبية.
ظل الطفل يتبعه حتى وصلا إلى مقصورة الإله بتاح، حيث أخذ الأثرى يفحص بعض الأحجار القديمة بعناية. وفجأة، حدث انهيار فى بعض الحوائط القديمة داخل المكان، ودوّى صوت قوى أفزع من كانوا بالقرب من المعبد. وعلى أثر هذا الصوت، تجمع أهل القرية مسرعين ليروا ما حدث، لكنهم لم يجدوا أثرًا للطفل.

وهنا انتشر الخوف بينهم، وبدلًا من أن يفسروا اختفاء الطفل بأنه ربما كان نتيجة الانهيار أو الفوضى التى حدثت فى المكان، اعتقدوا أن السبب هو «ستنا الغولة»، تلك الحكاية الشعبية المرتبطة بمقصورة بتاح وتمثال الإلهة سخمت. وهكذا تحولت حادثة انهيار فى الحوائط إلى أسطورة شعبية، واختلط صوت الأحجار المنهارة بالخوف القديم من المكان، حتى صار اختفاء الطفل فى نظر أهل القرية دليلًا على وجود الغولة. وتكشف هذه القصة كيف كان الخيال الشعبى ينسج حول الآثار حكايات من الرهبة والغموض.

الفساد أيام الفراعنة

الفساد موجود فى كل الحضارات، قديمًا وحديثًا، ولكن المهم دائمًا هو كيف واجهت الدولة هذا الفساد، وكيف عاقبت من يخون الأمانة أو يخرج على القانون. وفى مصر القديمة، تكشف لنا النصوص عن صور متعددة من الجرائم، كان أخطرها الخيانة العظمى، التى كانت تُعد من أشد الجرائم عقوبة، وغالبًا ما كان جزاؤها الموت، مهما كانت مكانة الجانى أو قربه من القصر الملكى.

وقد وصلتنا إشارات إلى مؤامرات حيكت ضد بعض ملوك مصر القديمة، منها ما يذكره مانيتون عن اغتيال الملك تتى، أول ملوك الأسرة السادسة، على يد حرسه. كما حدثت مؤامرة أخرى فى عهد الملك بيبى الأول، كان لحريم القصر دور رئيسى فيها، وانتهت بتوقيع أقصى العقوبات على زوجة الملك وابنها، الذى تآمرت من أجل وضعه على العرش.

ولم يقتصر الفساد على المؤامرات السياسية، بل شمل أيضًا الرشوة واستغلال المنصب. فقد حفظت لنا بردية بالمتحف المصرى فى تورينو قصة من عهد الملك رمسيس التاسع، تشير إلى موظفين استغلوا مواقعهم فى التعامل مع مجموعة من اللصوص المقبوض عليهم، وطلبوا رشاوى من بعضهم، وصلت إلى أربع قطع من الذهب. وتكشف بعض السجلات أن المشكلة لم تكن فقط فى قبول الرشوة، بل إن بعض الموظفين كانوا يطلبونها بأنفسهم.

كما تذكر شكاوى عمال دير المدينة أن بعض العمال كانوا يضطرون إلى تقديم الهدايا والرشاوى لبعض الكتبة والمسئولين، لتسهيل مصالحهم أو التأثير فى بعض القضايا. ومن خلال هذه النصوص، نعرف أن المجتمع المصرى القديم، كغيره من المجتمعات، عرف صورًا من الفساد، لكنه عرف أيضًا القانون والتحقيق والعقاب، وحرص على محاسبة من يثبت تورطه، مهما كان منصبه.

معبد دندور فى نيويورك

قد لا يعلم الكثيرون أن هناك معبدًا مصريًا قديمًا تم نقله من مصر وإعادة إقامته داخل متحف المتروبوليتان للفنون فى نيويورك، وهو معبد دندور. هذا المعبد، الذى يقف اليوم فى واحدة من أهم قاعات المتحف، لا يمثل فقط أثرًا مصريًا خارج حدود مصر، بل أصبح أيضًا مركزًا للفعاليات الثقافية والمحاضرات والاحتفالات.

والحقيقة أن مصر أهدت عددًا من المعابد الصغيرة إلى بعض الدول، التى ساهمت فى حملة اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة من الغرق بعد بناء السد العالى. وكانت الولايات المتحدة من بين الدول التى ساهمت فى هذه الحملة، ولذلك أهدت مصر لها معبد دندور تقديرًا لدورها. وقد أُعيد تركيب المعبد داخل متحف المتروبوليتان، وافتُتح للجمهور فى 4 مايو 1978.

كان معبد دندور يقع فى النوبة، على بُعد نحو 78 كيلومترًا جنوب أسوان، على الضفة الغربية لنهر النيل. ويُرجّح أنه شُيّد فى عهد الإمبراطور الرومانى أغسطس، ثم تحوّل فى مرحلة لاحقة إلى كنيسة قبطية، وهو ما يظهر من بعض الرسوم والنقوش المسيحية على جدرانه.

ويتكون المعبد من عناصر تقليدية للمعابد المصرية فى العصرين اليونانى والرومانى؛ فهو يبدأ بصرح يؤدى إلى فناء، ثم رواق داخلى، وينتهى بقدس الأقداس. وزُينت جدرانه بمناظر للإمبراطور أغسطس وهو يقدم القرابين للآلهة، وعلى رأسهم الإلهة إيزيس. ويرى بعض الباحثين أن هذه المناظر لم تكن دينية فقط، بل حملت أيضًا دلالات سياسية، إذ حاول الحكم الرومانى من خلالها دعم المعتقدات المحلية وتأمين حدوده الجنوبية. وهكذا يظل معبد دندور شاهدًا على عظمة التراث المصرى وامتداده عبر الزمان والمكان.