لم تكن حالة الجدل المثارة حول أزمة التمويل الاستهلاكي خلال الأيام الماضية منشئة للأزمة بالمعنى القانوني، وإنما جاءت كاشفة لتداعيات أزمة اقتصادية ممتدة تحمل أبعادًا محلية ودولية معقدة، فقد بدأت ملامح هذه الأزمة منذ عام 2016، ثم تعاظمت آثارها خلال جائحة كوفيد- 19 عام 2020، قبل أن تتفاقم بفعل الحرب الروسية الأوكرانية وما ترتب عليها من اضطرابات في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، فضلاً عن تداعيات الحرب على غزة والتوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة.
ومن الخطأ النظر إلى أزمة التمويل الاستهلاكي باعتبارها أزمة قطاعية معزولة تخص نشاطًا محددًا من أنشطة التمويل غير المصرفي، إذ ترتبط في جوهرها ببنية الاقتصاد الوطني واتجاهات الاستثمار وتوزيع رؤوس الأموال بين القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية.
فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تنحصر في تعديل التشريعات المنظمة للتمويل الاستهلاكي أو تشديد الرقابة على شركاته، وإنما يجب أن تستند إلى تقييم شامل من خلال قياس أثر قوانين التمويل غير المصرفي في إطار رؤية اقتصادية تستهدف تعظيم الاستثمار الإنتاجي ورفع كفاءة تخصيص الموارد.
وتكشف التطورات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة عن اتجاه متزايد لتوظيف رؤوس الأموال في أنشطة لا تضيف قيمة إنتاجية كافية للاقتصاد، سواء من خلال التمويل الاستهلاكي المرتبط بسلع غير أساسية، أو عبر التوسع في بعض الأنشطة العقارية التي تستوعب كتلاً ضخمة من السيولة دون أن يقابلها نمو مماثل في القطاعات الإنتاجية وزيادة الصادرات.
ومن الناحية النظرية، يمثل التمويل غير المصرفي الموجه للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر أداة لتحقيق التوازن بين التمويل الاستهلاكي والتمويل الإنتاجي، إلا أن الواقع العملي يثير تساؤلات حول مدى نجاح هذا القطاع في أداء دوره التنموي، خاصة في ظل الفجوة بين أحجام التمويل الممنوحة ومساهمته الفعلية في الناتج المحلي الإجمالي وخلق فرص العمل المستدامة، وهو ما يقتضي إعادة تقييم السياسات التمويلية وآليات الرقابة وقياس الأثر التشريعي في إطار رؤية اقتصادية شاملة.
لذلك، فإن الأزمة لا ترتبط بقطاع التمويل غير المصرفي في حد ذاته، وإنما بمدى قدرة المنظومة التشريعية والاقتصادية على توجيه الموارد المالية نحو الأنشطة الإنتاجية القادرة على تعزيز النمو الاقتصادي ورفع كفاءة الاقتصاد المصري في مواجهة التحديات المختلفة.
وبالرغم من حداثة صدور التشريعات المنظمة لأنشطة التمويل غير المصرفي، بما في ذلك التمويل الاستهلاكي والتمويل العقاري وتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، فإن المتغيرات الاقتصادية المتسارعة خلال السنوات الأخيرة تفرض ضرورة إعادة النظر في هذه التشريعات باعتبارها منظومة واحدة مترابطة.
وتقتضي عملية الإصلاح التشريعي إجراء تقييم شامل لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه القوانين ومدى نجاحها في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك، وضمان الاستقرار المالي، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي، مع مراجعة الحوافز والقيود التشريعية بما يضمن توجيه التمويل نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة وربط سياسات التمويل غير المصرفي بأهداف التنمية الاقتصادية.
فالإصلاح المطلوب ليس مجرد تعديل لبعض النصوص القانونية، وإنما إعادة بناء فلسفة تشريعية متكاملة تجعل التمويل غير المصرفي أداة لدعم الإنتاج والتنمية، لا مجرد وسيلة لتوسيع الاستهلاك أو تدوير السيولة داخل قطاعات محدودة الأثر على النمو الاقتصادي.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







