من وراء النافذة

قبل أن تغلق الأمم المتحدة أبوابها

هالة العيسوى
هالة العيسوى


 

الولايات المتحدة مهتمة بمنظمة أمم متحدة صغيرة وفعالة وأقل استقلالية، لكن الصين مهتمة بأمم متحدة أقوى، ولكن مع تزايد نفوذها فيها.
 

لا تنتظروا الكثير من الأمم المتحدة فى الفترة القادمة، فإذا لم تتكاتف دول العالم لإيجاد حل طارئ قبل الانهيار التام لهذا المحفل الأهم القادر على معالجة القضايا التى تتجاوز حدود الدول الوطنية والتى لا يمكن لبلد منفرد من حلها، فإن المنظمة الدولية تواجه خطر الإفلاس وفقدان السيولة المالية بحلول أغسطس القادم ولن يتبقى منها سوى بعض الظواهر الصوتية كالمناشدات والإدانات وبعض القرارات التى لا تساوى الحبر الذى كتبت به. ومن المخيف أن يؤدى إضعاف الأمم المتحدة إلى خلق فراغ فى إدارة الأزمات الدولية.
لقد وقعت الأمم المتحدة فريسة للمنافسة الضارية بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ العالمى. القوتان العظميان تشكل مساهمتهما المالية معًا 42% من الميزانية الأساسية للمنظمة الدولية، وتستخدم كلتاهما المال كوسيلة ضغط على المنظمة الدولية لتحقيق مكاسب مؤثرة. بالمقابل حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، مرارًا خلال الفترة 2025-2026 من أنه فى حال عدم سداد الدول الأعضاء لديونها أو تغيير قواعد الميزانية، فقد تجد المنظمة نفسها عاجزة عن تمويل عملياتها الجارية بحلول صيف 2026. 
بما يعنى ضرورة إجراء تخفيضات حادة فى القوى العاملة، تأخير المشاريع وبرامج المساعدات، بل وتأخير صرف المدفوعات للقوات العاملة فى بعثات حفظ السلام، وتقليص أنشطة مقر الأمم المتحدة فى نيويورك، وأيضًا انخفاض ملحوظ فى عدد البعثات الدولية فى إفريقيا والشرق الأوسط.
من هنا فإن الأزمة الحالية  تتجاوز كونها مجرد أزمة مالية، ويمكن النظر إليها كونها أحد أعراض الصراع بين واشنطن وبكين على النظام العالمى. فالولايات المتحدة مهتمة بمنظمة أمم متحدة صغيرة وفعالة وأقل استقلالية، لكن الصين مهتمة بأمم متحدة أقوى، ولكن مع تزايد نفوذها فيها.
الولايات المتحدة تؤخر مدفوعاتها وسط جدل داخلى حول  مدى فاعلية الأمم المتحدة ومدى خدمتها لمصالحها. وترى، على سبيل المثال، أن الأمم المتحدة تعانى من تضخم بيروقراطى وأنها تهدر المال، وأن هناك حاجة إلى إصلاحات عميقة قبل ضخ أموال إضافية. لذلك تضغط لفرض إصلاحات فى الميزانية، والحد من نفوذ الكتل والهيئات التى ينظر إليها ككيانات معادية لأمريكا فى الأمم المتحدة، وتقليص بعثات حفظ السلام التى يُنظر إليها على أنها غير فعالة.
 الخلاصة أن واشنطن تعتمد تعزيز مبدأ «القيمة مقابل المال». ومن وجهة نظرها فإن عدم الدفع، ليس مجرد توفير مالى، بل هو أداة سياسية.
الصين، فى الجهة الأخرى، تؤخر مدفوعاتها أيضًا رغم أنها وللغرابة أعلنت رسمياً أنها تدعم الأمم المتحدة والنظام العالمى متعدد الأطراف! لكن ثمة رسائل سياسية مهمة يمكن استنباطها من سلوك بكين أهمها إثبات أن مكانتها كقوة عظمى تساوى مكانة الولايات المتحدة. بل إن الدول النامية أصبحت تنظر إليها كلاعب أكثر مسئولية من الولايات المتحدة. وبعد أن أصبحت الأمم المتحدة أضعف وأكثر اعتماداً على مساهمات بكين الخاصة، بات بإمكان هذه الأخيرة توسيع نفوذها فى المؤسسات الدولية.
هكذا استفادت القوتان العظميان من الأزمة؛ الولايات المتحدة تثبت أن الأمم المتحدة لا تزال تعتمد على أموالها، بينما تثبت الصين أنه لا يمكن إدارة الأمم المتحدة بدونها. وتقف روسيا فى المنطقة الرمادية، حيث يصب الوضع الراهن فى خدمة رغبتها فى إضعاف المؤسسات الغربية التقليدية. 
من المستبعد فى الوضع الراهن أن يترك العالم المنظمة الدولية تنهار، من ثم فإن السؤال ليس ما إذا كانت الأمم المتحدة ستُفلس، بل من سيُشكّل الأمم المتحدة ما بعد الأزمة: واشنطن أم بكين؟