حبر قلم

أموال المعاشات تصنع استقرارًا

محمد عبيد
محمد عبيد


للمرة الثالثة أكتب عن أهلنا أصحاب المعاشات، ليس بحثاً عن قضية جديدة للكتابة، بل إيماناً بحق فئة أفنت أعمارها فى العمل والإنتاج وخدمة الوطن، ثم وجدت نفسها تواجه سنوات التقاعد وسط تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة. فكلما تعمقت فى هذا الملف، ازددت اقتناعاً بأن الحديث عن المعاشات ليس حديثاً عن أرقام أو موازنات، بل عن كرامة ملايين المواطنين الذين يستحقون حياة آمنة بعد رحلة طويلة من العطاء.
ويخطئ من ينظر إلى المعاشات باعتبارها مجرد بند إنفاق تتحمله الدولة أو عبئاً مالياً يضاف إلى الموازنة العامة. فالحقيقة أن المعاشات تمثل أحد أهم أشكال الاستثمار الاجتماعي، لأنها توفر الحماية والاستقرار لأكثر من 11.5 مليون مستفيد، وتحافظ على تماسك ملايين الأسر المصرية.
وفى كثير من البيوت، لا يمثل المعاش دخلاً لصاحبه وحده، بل مورد تعتمد عليه الأسرة بأكملها. فهناك أب يساعد أبناءه رغم بلوغه سن التقاعد، وجد يساهم فى تعليم أحفاده، وأرملة تواجه أعباء الحياة بمعاش زوجها الراحل. وخلف كل معاش قصة إنسان لا يزال يحمل هموم أسرته ومسئولياته رغم تقدمه فى العمر.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تخرج أموال المعاشات من الدورة الاقتصادية، بل تعود إليها مباشرة. فأصحاب المعاشات ينفقون دخولهم على الغذاء والدواء وفواتير الخدمات والاحتياجات الأساسية، ما يدعم حركة الأسواق المحلية وينشط قطاعات واسعة من الاقتصاد. لذلك فإن كل جنيه يُنفق على المعاشات يتحول إلى قوة شرائية تدعم الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى معاً.
كما أن توفير معاش كريم يقى المجتمع من تكاليف أكبر مستقبلاً، سواء فى الرعاية الصحية أو الدعم الاجتماعى أو مواجهة الفقر. لذلك يجب أن ننظر إلى المعاشات باعتبارها استثمارًا فى الإنسان قبل أى شيء آخر.
فالكرامة فى الكبر ليست رفاهية، بل حق أصيل، ومن حق من بنى الأمس أن يعيش اليوم مطمئناً، يشعر بأن وطنه لم ينس سنوات عمله.