د. ممدوح سالم
تظل سورة «الكوثر» فى الوجدان الإسلامى أبعد من كونها أقصر سور القرآن لفظًا، بل هى «إعلان وجودى» وبشرى بالبقاء فى مواجهة الفناء. وحين نتأمل مطلعها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، نجد أنفسنا أمام فيض إلهى لا ينضب، يتبعه توجيه منهجى حاسم فى قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، لترسم الآيات معادلة دقيقة تجمع بين سمو الروح وصلابة المواجهة، فى نسق فريد ينتهى بقطع دابر الشانئين: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.
يرى الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربى أن العبادات حقائق كشفية، فالصلاة عنده ليست مجرد حركات، بل هى «المناجاة» التى يتحقق فيها العبد بفقره والرب بغناه. فى قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ إشارة إلى الربوبية الخاصة؛ أى أن تصلى للرب الذى رباك وأفاض عليك من كوثره.. هنا تصبح الصلاة هى «الصلة» التى تمد المفكر بالمدد الغيبى، وتجعل قلبه وعاءً مستعدًا لاستقبال التجليات. فلا مواجهة بلا استناد إلى ركن شديد، ولا حجاج يثمر إن لم يكن صاحبه «موصولاً» بالمصدر الأول لكل علم وحكمة.. ومن هذا المنطلق تتجلى لنا فلسفة النحر من المنسك إلى «نحر الأباطيل»، فإذا كان ظاهر قوله تعالى ﴿وَانْحَرْ﴾ هو إهراقة الدماء قربةً لله وشكرًا على نعمة الكوثر، فإن باطنه الفلسفى يمتد ليشمل «المواجهة» فى أصلب صورها. النحر لغةً هو الصدر، ومنه «نحر العدو» أى مواجهته وجهًا لوجه.. إن الأمر بالنحر بعد الصلاة هو دعوة للمواجهة بمقتضى «الحجاج». فالمؤمن الذى أوتى «الكوثر» (وهو العلم الغزير والحق المبين)، مطالبٌ بأن «ينحر» شبهات الخصوم بصدور ثابتة وحجج قاطعة. النحر هنا هو استئصال شأفة الباطل بقوة المنطق الذى لا يلين، وهو «الجهاد الفكرى» الذى يحول العطاء الغيبى إلى طاقة حركية تبنى الوعى وتدحض الزيف.. وعلى نحو آخر تتشكل فى السورة خارطة طريق لصاحب الرسالة ثلاثية الوجود: الكوثر، الصلاة، النحر
الكوثر (المنحة): ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؛ وهى الامتلاء المعرفى والفيض الروحى.
الصلاة (المنهج): ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾؛ وهى الضابط الأخلاقى والتحقق بالعبودية والصلة بالخالق.
النحر (الفاعلية): ﴿وَانْحَرْ﴾؛ وهى القوة والبيان فى ميدان الحجاج لقطع دابر الباطل.
إن تقديم الصلاة على النحر هو تقديم «الأصل» على «الفرع»؛ فالمواجهة بلا صلاة تهور، والصلة بلا مواجهة قصور. والمؤمن الحق هو من يجمع بين محراب العبادة وميدان الحجاج.
إن وصف ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ليس مجرد نفى لانقطاع النسل عن النبى ، بل هو حكم كونى على كل فكر «أبتر» يفتقر إلى الحجة والصلة بالحق. فكل فكر يخاصم المنهج المبين هو فكر مقطوع الجذور، محكوم عليه بالزوال مهما علا ضجيجه. أما من تمسك بالكوثر، واتصل بربه صلاةً، ونحر الأوهام بحجاجه، فقد كُتب له الخلود بخلود المنهج الذى يحمله.. إنها دعوة لاستعادة «الصلابة النحرية» فى خطابنا المعرفى؛ لنواجه سيولة العصر بيقين الصلاة وقوة الحجاج.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







