فى عمق الصحراء الشرقية، جنوب غرب مدينة سفاجا، تقف قرية أم الحويطات كواحدة من أكثر الشواهد تعبيرًا عن تحولات الاقتصاد المصرى فى قطاع التعدين، حيث تختلط بقايا الماضى الصناعى مع تعقيدات الحاضر، وتتصاعد فوق أطلالها أسئلة مؤجلة حول إدارة الثروات الطبيعية ومستقبل المجتمعات المحلية.
لم تكن هذه القرية يومًا مجرد موقع لاستخراج الفوسفات، بل نشأت منذ بدايات القرن العشرين كمجتمع متكامل يضم آلاف العمال وأسرهم، حيث وفرت لهم الشركات مساكن وخدمات أساسية من مدارس ومساجد ومستشفى، لتتحول إلى واحدة من أهم قلاع إنتاج الفوسفات فى مصر، قبل أن تبدأ رحلة التراجع مع تغير الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الاستخراج، وصولًا إلى قرار نقل السكان إلى قرية بديلة، لتُترك خلفهم مدينة كاملة بلا حياة، مجرد مبانٍ صامتة تحكى تاريخًا طويلًا من العمل والإنتاج.. لكن الفراغ الذى خلفه توقف النشاط لم يظل ساكنًا، بل تحول مع الوقت إلى مساحة رمادية تتداخل فيها السياحة المحدودة مع أنشطة غير رسمية، خاصة مع تصاعد الإقبال على التنقيب عن الذهب فى المناطق الجبلية المحيطة، هذا التحول لم يكن مجرد تغير فى النشاط الاقتصادى، بل انعكاس لغياب رؤية واضحة لإعادة توظيف المنطقة بعد انتهاء دورها التعدينى التقليدى، ويؤكد محمد مصطفى، مدير إدارة المحاجر بالمحافظة السابق، أن ما حدث فى أم الحويطات ليس استثناءً، بل نموذج لمشكلة أوسع، موضحًا أن المناطق التعدينية القديمة تُترك غالبًا دون تأمين كافٍ أو إعادة تخطيط، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية، ويخلق بيئة خطرة يصعب السيطرة عليها.. ومع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، ازدادت جاذبية المنطقة للباحثين عن الربح السريع، لتظهر مجموعات تعمل بشكل غير قانونى داخل الجبال، مستخدمة أدوات بدائية فى حفر عشوائى يفتقر إلى أبسط معايير السلامة.
من جانبه، يوضح د. ياسر خليل، أستاذ بجامعة الغردقة ومن أبناء مدينة القصير، أن الصحراء الشرقية تُعد من أغنى المناطق بالمعادن، إلا أن المشكلة لا تكمن فى نقص الموارد، بل فى تأخر استغلالها بشكل منظم، مما يدفع البعض إلى العمل خارج الإطار القانونى، ويشير إلى أن التكوينات الجيولوجية فى هذه المناطق شديدة الحساسية يعرض المنقبين لخطر وهو ما يفسر تكرار الحوادث المميتة.
فى المقابل، يبرز البعد الاجتماعى للأزمة بوضوح، حيث يجد أبناء المنطقة أنفسهم خارج معادلة الاستفادة من الثروات المحيطة بهم، وتؤكد أمل جاد الله، عضو مجلس الشعب السابق، أن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لغياب التنمية الحقيقية، مشيرة إلى أن توقف النشاط الرسمى دون توفير بدائل اقتصادية دفع الكثير من الشباب إلى اللجوء إلى التنقيب العشوائى كمصدر دخل، رغم مخاطره، وترى أن الحل لا يكمن فقط فى تشديد الرقابة، بل فى فتح مسارات قانونية وآمنة تتيح العمل فى قطاع التعدين بشكل منظم، بما يضمن حماية الأرواح وتحقيق استفادة عادلة للمجتمع المحلى.
تعكس أم الحويطات اليوم صراعًا معقدًا بين نموذجين متناقضين؛ الأول يقوم على استغلال منظم للموارد يتطلب استثمارات وبنية تحتية وإطارًا تشريعيًا واضحًا، والثانى يعتمد على التنقيب العشوائى الذى تغذيه الحاجة الاقتصادية وإغراءات الربح السريع، وبين هذين النموذجين، تبقى القرية فى حالة معلقة، لا عادت إلى دورها الإنتاجى السابق، ولا تحولت إلى مشروع تنموى متكامل، فى ظل تزايد قيمة ما تختزنه من ثروات معدنية وغياب خطة واضحة لإدارتها.
فى النهاية، لم تعد أم الحويطات مجرد “قرية أشباح”، بل أصبحت مرآة لأزمة أوسع تتعلق بكيفية إدارة الموارد الطبيعية فى مصر، حيث يتقاطع التاريخ مع الاقتصاد، وتتداخل الطموحات الفردية مع التحديات المؤسسية، وبين أطلال الفوسفات ومخاطر الذهب، يظل المستقبل مفتوحًا على احتمالين؛ إما إعادة إحياء المنطقة ضمن نموذج تنموى مستدام يحقق التوازن بين الاستثمار والحفاظ على الموارد، أو استمرارها كساحة مفتوحة لصراع خفى على ثروات مدفونة، يدفع ثمنه دائمًا أولئك الذين يبحثون عن فرصة للحياة وسط صحراء لا ترحم.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







