طبول تدق ومزادات لا تتوقف.. رحلة البطيخ من الصحراوي إلى وكالة الحضرة

مزادات البطيخ داخل وكالة الحضرة بالإسكندرية
مزادات البطيخ داخل وكالة الحضرة بالإسكندرية


قبل أن تدب الحياة بشكل كامل في شوارع الإسكندرية، تكون وكالة الحضرة قد بدأت يومها الصاخب؛ أصوات الشاحنات تختلط بنداءات التجار، وصفوف البطيخ تمتد كأنها أهرامات خضراء، بينما تدوي الطبول والمزمار لتمنح المزاد أجواءً وكأنه كرنفال شعبي.

منذ الساعات الأولى للفجر، تبدأ سيارات النقل في التوافد تباعًا إلى الشادر الأكبر في سوق الحضرة، محمّلة بالآلاف من ثمار البطيخ القادمة من الصحراوي، حيث لا شيء يسير بعشوائية؛ فكل سيارة تُفرغ حمولتها بعناية، ثم يبدأ العمال في رص البطيخ على هيئة "هرم" متناسق.

 

◄ مزادات وكالة الحضرة

 

تضم الرصة الواحدة نحو 100 بطيخة، يتم فرزها بحسب الجودة والحجم واللون، استعدادًا للحظة المزاد.. وبين صفوف البطيخ يقف الحاج عاصم العمدة، تاجر البطيخ وصاحب أكبر شادر بوكالة الحضرة، متابعًا التفاصيل بدقة، بينما لا تتوقف المزادات بين التجار القادمين من مختلف المحافظات.

يقول "العمدة" لـ"بوابة أخبار اليوم" إن المزادات تبدأ يوميًا من السابعة صباحًا وحتى ساعات العصر، موضحًا أن السيارات تصل غالبًا خلال الليل ليتم تجهيزها قبل بدء البيع.

ويضيف أن وكالة الحضرة أصبحت محطة رئيسية لتجارة البطيخ في مصر، إذ يأتي إليها التجار من كل مكان، سواء من الصعيد أو الوجه البحري، للحصول على ما يحتاجونه من البطيخ.

 

◄ منظومة كاملة توفر آلاف فرص العمل

 

ويشرح رحلة البطيخ عبر المواسم، قائلًا إن شهري مارس وأبريل يشهدان طرح بطيخ أسوان، ثم يبدأ من منتصف أبريل وحتى العاشر من يونيو موسم بطيخ طريق الإسكندرية الصحراوي، الممتد من الإسكندرية حتى القاهرة مرورًا بالنوبارية والخطاطبة والسادات ووادي النطرون، وهو الأكثر إنتاجًا في مصر.

ويوضح "العمدة" بينما تبدو حركة البيع داخل الشادر كخلية نحل أن بطيخ بلطيم بمحافظة كفر الشيخ يبدأ في الوصول للوكالة مع نهاية يونيو، ثم بطيخ مناطق بنجر السكر بالإسكندرية، وأخيرًا بطيخ مرسى مطروح خلال شهر أغسطس من كل عام.

 

◄ أسباب ارتفاع أسعار البطيخ

 

ويشير إلى أن تجارة البطيخ ليست مجرد عملية بيع وشراء، لكنها منظومة كاملة توفر آلاف فرص العمل، تبدأ من الزراعة والحصاد، مرورًا بالنقل والسائقين، وصولًا إلى عمال الرص والتحميل وأسواق التجزئة، منوهًا أن البطيخ يُعد من أكثر المحاصيل احتياجًا للأيدي العاملة.

وعن أنواع البطيخ المتداولة في السوق، يوضح أن أشهرها "جيزة" و"سكاتا"، إلى جانب كميات أقل من  المخطط و"المنجاوي الأصفر"، مشيرًا إلى أن الأسعار داخل الشادر تختلف بحسب الحجم والجودة، حيث تبدأ من 5 جنيهات للبطيخة الصغيرة وتصل إلى 100 جنيه للأحجام الكبيرة الممتازة.

 

◄ غياب الرقابة

 

ويرى"العمدة" أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار البطيخ في أسواق التجزئة بالمقارنة بالشادر هو غياب الرقابة على بعض البائعين، الذين يضاعفون الأسعار حسب "المزاج"، لتباع بعض الثمار بـ150 و300 جنيه رغم انخفاض سعرها داخل الشادر.

 

اقرأ ايضا| الزراعة تحسم الجدل وتكشف حقيقة البطيخ المسرطن وسبب ارتفاع أسعاره

 

أما الحاج عبد المولى عنوس، أحد المزارعين، فيقف وسط الشادر متابعًا المزاد بعين قلقة، مؤكدًا أن التغيرات المناخية أثرت بشكل واضح إنتاجية البطيخ هذا العام.

ويقول إن التفاوت الحاد بين الحرارة والبرودة يوميًا أضعف الإنتاج، إلى جانب أزمة التقاوي غير الجيدة، والتي يتم استيراد بعضها من الخارج، ولكنها "فرزة أخير وليست أولى".

ويضيف "عنوس" أن إنتاجية الفدان تراجعت بصورة كبيرة، فبعدما كان الفدان ينتج في السابق ما يعادل ثلاث سيارات نقل، أصبح بالكاد ينتج سيارة واحدة فقط، لافتًا إلى أن حمولة السيارة الكبيرة الواحدة نحو 1500 بطيخة.

 

◄ تكلفة زراعة الفدان

 

ومن جانبه، يوضح الحاج إبراهيم عكاشة، أحد مزارعي البطيخ، أن تكلفة زراعة الفدان ارتفعت بشكل كبير، حيث تتراوح بين 100 و150 ألف جنيه، بحسب توافر مستلزمات الزراعة مثل المشمعات وشبكات الخراطيم والتنقيط.

ورغم ارتفاع التكلفة وصعوبة الموسم، تبقى وكالة الحضرة كل صباح مشهدًا صيفيًا خالصًا؛ طبول تدق، ومزاد لا يتوقف، وبطيخ يتنقل من الحقول إلى موائد المصريين، حاملاً معه طعم الصيف ورائحة الأرض.