لماذا غابت الأسرة عن سينما العيد ؟

أفلام عيد الأضحي
أفلام عيد الأضحي


محمد‭ ‬إسماعيل

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يدخل موسم عيد الأضحى السينمائي دون وجود فيلم واحد مصنف “مناسب للأسرة” أو يمكن للأطفال والمراهقين دون 16 عاما دخوله بحرية، بعدما حملت جميع الأفلام المعروضة تصنيف “+16” وهو ما فتح باب واسع من الجدل بين صناع السينما والنقاد والجمهور حول مدى تأثير هذه الظاهرة على الإيرادات من ناحية، وعلى حق الأسرة المصرية في الترفيه خلال العيد من ناحية أخرى.. فالسينما كانت دائما واحدة من أهم طقوس العيد للعائلات، لكن هذا العام وجد كثير من الآباء أنفسهم أمام أزمة حقيقية بعدما أصبحت غالبية الأفلام غير متاحة لأبنائهم بسبب التصنيف العمري.

“أخبار النجوم” تحدثت مع المهتمين بالسينما لبيان رأيهم في التصنيف العمري وتأثيره على صناعة السينما والجمهور والتصريحات التي فتحت باب جديد للنقاش، حيث رأى البعض أن المشكلة لا تتعلق فقط بنوعية الأفلام أو تصنيفاتها العمرية، وإنما بثقافة مشاهدة السينما واحترام الجمهور لحقوق الآخرين داخل القاعة.

في البداية يقول الناقد السينمائي محمود قاسم أن غياب الأفلام العائلية من موسم العيد يمثل خسارة حقيقية للسوق السينمائية لأن الأسرة كانت دائما تمثل شريحة ضخمة من جمهور الأعياد، فموسم العيد تاريخيا يعتمد على خروج العائلة كاملة وليس الشباب فقط، لذلك عندما تصبح جميع الأفلام موجهة لفئة عمرية محددة فإن جزء كبير من الجمهور يستبعد تلقائيا من المعادلة.

ويضيف قاسم أن الإيرادات لا تتأثر فقط بعدد المشاهدين بل بعدد التذاكر التي يشتريها كل مشاهد، فالأسرة المكونة من أربعة أو خمسة أفراد كانت تذهب إلى السينما معا، بينما الشاب غالبا ما يشتري تذكرة أو اثنين فقط، ولذلك فإن خسارة الجمهور العائلي تنعكس مباشرة على شباك التذاكر، فالتنوع كان دائما أحد أسرار نجاح المواسم السينمائية الكبرى، حيث كانت تتجاور الأفلام الكوميدية والعائلية مع أفلام الحركة والرومانسية، ما يسمح لكل فئة عمرية بإيجاد ما يناسبها، أما وجود تصنيف عمري واحد تقريبا على جميع الأعمال فيقلل من قاعدة الجمهور المستهدف.

ويشير قاسم إلى أن بعض الأفلام التي تحصل على تصنيف “+16” لا تحتوي بالضرورة على محتوى يستوجب ذلك، وكان يمكن أن تصنف “+12” مع بعض التحفظات، وهو ما كان سيمنح شريحة أكبر من الجمهور فرصة المشاهدة.

ومن جانبه يقول الناقد السينمائي رامي المتولي أن الأزمة لا تتعلق بالتصنيف العمري وحده، وإنما بطبيعة الإنتاج السينمائي نفسه خلال السنوات الأخيرة، فالمنتجين أصبحوا يركزون بصورة أكبر على الأعمال التي تستهدف الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر حضورا في دور العرض، وهو ما أدى تدريجيا إلى تراجع الأفلام العائلية، وأي صناعة ترفيهية ناجحة تحتاج إلى التوازن بين مختلف أنواع الجمهور، موضحا أن السينما المصرية كانت تحقق نجاحات كبيرة عندما كانت تقدم أعمالا يمكن للأسرة كلها مشاهدتها دون قلق.

ويضيف المتولي أن موسم العيد تحديدا يختلف عن بقية مواسم العام لأن طبيعته مرتبطة بالأسرة والزيارات والخروج الجماعي، لذلك فإن تجاهل هذه الحقيقة قد يحرم السوق من شريحة جماهيرية مهمة للغاية، وأن وجود فيلم أو فيلمين على الأقل بتصنيف “+12” أو مناسب لجميع الأعمار كان سيمنح الموسم تنوعا أكبر ويزيد من فرص تحقيق إيرادات أعلى.

ويؤكد رامي المتولي أن أزمة التصنيفات العمرية الحالية تكشف أيضا عن تغير في أولويات شركات الإنتاج التي أصبحت تفضل المشروعات ذات المخاطرة المحدودة، والرهان على الشرائح الجماهيرية المضمونة والأفلام العائلية تحتاج عادة إلى جهد أكبر في الكتابة والتنفيذ لأنها مطالبة بجذب الصغير والكبير في الوقت نفسه دون الاعتماد على عناصر الإثارة السهلة، وأن نجاح عدد من التجارب العائلية في السنوات الماضية يثبت وجود جمهور واسع لهذا النوع من الأعمال، لكنه يحتاج إلى منتجين يؤمنون بأهميته التجارية والفنية وليس النظر إليه باعتباره خيارا ثانويا داخل السوق.

أما المخرج أمير رمسيس فيرى أن التصنيف العمري في حد ذاته ليس مشكلة، بل هو خطوة ضرورية لتنظيم العلاقة بين الفيلم والجمهور، فالهدف من التصنيفات العمرية ليس منع الجمهور من مشاهدة الأفلام، وإنما توضيح الفئة المناسبة لكل عمل حتى يكون المشاهد على دراية بطبيعة المحتوى الذي سيشاهده، والمشكلة الحقيقية تظهر عندما يغيب التنوع عن الخريطة الإنتاجية، فتجد كل الأفلام تقريبا موجهة إلى الفئة العمرية نفسها وهو ما يخلق شعور بأن هناك إقصاء لفئات أخرى من الجمهور.

ويشير رمسيس إلى أن السينما صناعة تعتمد على التنوع، وأن وجود أفلام للكبار لا يتعارض مع ضرورة وجود أفلام أخرى للأسرة والأطفال في المواسم الجماهيرية الكبرى، وأن نجاح أي موسم سينمائي لا يقاس فقط بحجم الإيرادات، وإنما بقدرته على جذب شرائح مختلفة من الجمهور وإعطائها خيارات متعددة.

ويؤكد أمير رمسيس إلى أن النقاش الدائر يجب ألا يتحول إلى مواجهة بين حرية الإبداع ومتطلبات الجمهور العائلي، لأن الأمرين يمكن أن يتعايشا معا داخل صناعة صحية ومتنوعة، فالسينما العالمية تقدم نماذج عديدة لأفلام تحافظ على مستواها الفني المرتفع، وفي الوقت نفسه تناسب مختلف الأعمار، وأن التحدي الحقيقي أمام صناع الأفلام يكمن في ابتكار محتوى قادر على الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين دون التضحية برؤية المخرج أو الكاتب، والتخطيط للمواسم السينمائية ينبغي أن يراعي احتياجات الجمهور المختلفة بدلا من تكرار النوع نفسه من الأعمال.

في حين يقول المؤلف حلمي هلال أن السينما المصرية فقدت هذا العام أحد أهم عناصر قوتها وهو الجمهور العائلي، فالعيد كان دائما مناسبة اجتماعية قبل أن يكون مناسبة فنية وكانت السينما جزءا من برنامج الأسرة في هذه الأيام، لكن التصنيفات الحالية جعلت كثيرا من الأسر تعيد التفكير في الذهاب إلى دور العرض من الأساس.

ويضيف هلال أن الأزمة لا تتعلق فقط بمنع الأطفال من الدخول، بل بالشعور العام لدى الأسرة بأن السينما لم تعد تقدم محتوى موجها لها كما كان يحدث في السابق، وأن السوق يحتاج إلى إعادة النظر في نوعية المشروعات التي يتم إنتاجها للمواسم الكبرى، بحيث تكون هناك مساحة أكبر للأعمال التي يمكن أن يشاهدها أفراد الأسرة معا.

ويري هلال أن اختفاء الأفلام المناسبة للأسرة من موسم بحجم عيد الأضحى لا يمثل مجرد مسألة فنية، بل يعكس تغيرا في النظرة إلى وظيفة السينما داخل المجتمع، فدور السينما كانت في الماضي مساحة تجمع أجيالا مختلفة حول تجربة مشتركة، وهو ما منحها قيمة اجتماعية إلى جانب قيمتها الترفيهية، وأن استمرار هذا الاتجاه قد يدفع العائلات إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنصات الرقمية التي توفر خيارات أوسع لجميع الأعمار، ولذلك يجب تشجيع المنتجين على تقديم أعمال تراعي التنوع العمري حتى تظل السينما وجهة جاذبة لكل أفراد الأسرة وليس لشريحة محددة فقط.

اقرأ  أيضا: بعد تخطيه حاجز الـ 100 مليون جنيه.. تركي آل الشيخ يشيد بنجاح «7Dogs»

;