يشكل كتاب «سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون في السبعينيات»، للكاتبة والباحثة د. أمل الجمل، محاولة نقدية جادة لإعادة قراءة العلاقة المركبة بين السينما والنقد والمجتمع في واحدة من أكثر الفترات تحوّلا واضطرابا في التاريخ الثقافي المصري. فالكتاب لا يتوقف فقط عند الأفلام المقتبسة عن أعمال نجيب محفوظ، بل يذهب إلى مساحة أكثر عمقا وثراءً، تتمثل في دراسة كيفية استقبال النقاد لهذه الأفلام، وكيف تحوّل النقد السينمائي نفسه إلى “شهادة” على العصر وتحولاته الفكرية والسياسية والاجتماعية.
وقد جاءت أهمية الندوة التي شاركت ضمن مناقشيها من كونها فتحت بابا واسعا للتأمل في معنى النقد ودوره الحقيقي، ليس باعتباره تعليقا على الأعمال الفنية فحسب، وإنما بوصفه جزءًا من الوعي الثقافي والتاريخي للمجتمع. فالكتاب يطرح سؤالا محوريا شديد الذكاء: هل كان النقاد مجرد متابعين لسينما نجيب محفوظ، أم أنهم ساهموا في تشكيل صورتها التاريخية والثقافية لدى الجمهور؟
اختيار عقد السبعينيات لم يكن اختيارا زمنيا عابرا، بل يحمل دلالة شديدة الأهمية. فهذه المرحلة شهدت تغيرات حادة بدأت بتداعيات هزيمة 1967، مرورا بحرب أكتوبر، ثم التحولات الاقتصادية والانفتاح وما صاحبه من اهتزازات في منظومة القيم وصعود تناقضات اجتماعية وفكرية جديدة. وفي قلب هذه التحولات، جاءت أفلام مأخوذة عن عالم نجيب محفوظ مثل «ثرثرة فوق النيل « و»الكرنك» و»ميرامار» و»أهل القمة « لتبدو وكأنها ترصد الإنسان المصرى وهو يعبر من زمن إلى زمن آخر، بكل ما يحمله ذلك من أسئلة حول الهزيمة والسلطة والطبقة الوسطى والمثقف والتحولات الأخلاقية.
ومن هنا يكتسب عنوان الكتاب دلالته الأعمق. فـ”الشهود المحترفون” الذين تشير إليهم د. أمل الجمل هم النقاد الذين لم يكونوا مجرد مشاهدين للأفلام، بل أصحاب رؤية وأدوات تحليل وتأويل. لقد سجلوا شهاداتهم على الأفلام، وفي الوقت نفسه سجلوا شهاداتهم على المجتمع نفسه. فالفيلم كان يرصد الواقع، بينما كان النقد يحاول تفسير معنى هذا الواقع داخل الصورة السينمائية.
الكتاب يلفت الانتباه أيضا إلى أن أفلام نجيب محفوظ لم تكن تُقرأ قراءة واحدة، بل تعددت حولها التأويلات والرؤى النقدية. ففيلم مثل “ثرثرة فوق النيل” قرأه البعض باعتباره نقدًا للهروب والعجز بعد الهزيمة، بينما رآه آخرون إدانة للنخبة المثقفة وانفصالها عن الواقع. أما “الكرنك”، فقد اعتبره فريق من النقاد كشفًا سياسيًا جريئًا، في حين رأى آخرون أنه قدّم تبسيطًا للرواية الأصلية. وهنا تتجلى فكرة “الشهود المحترفين”، حيث تصبح كل قراءة نقدية شهادة مختلفة على العمل نفسه وعلى اللحظة التاريخية التي أنتجته.
ومن أبرز ما يميز الكتاب أنه لا يقع في الفخ التقليدي القائم على المقارنة السطحية بين الرواية والفيلم، أو سؤال: “هل خان الفيلم النص الأدبي؟”، بل ينتقل إلى مستوى أكثر تطورا ، عبر مساءلة الخطاب النقدي نفسه، وكيف ساهم في تشكيل وعينا بعلاقة الأدب بالسينما، وبصورة نجيب محفوظ السينمائية عبر الزمن.
كما يتوقف الكتاب عند موقف نجيب محفوظ المتناقض ظاهريًا من النقد السينمائي، إذ نقلت د. أمل الجمل عنه آراء حادة اعتبر فيها أن “النقد في وادٍ والجمهور في وادٍ آخر”، وأن النقد لا يملك التأثير الحقيقي على نجاح الأفلام. غير أن هذا التناقض يكشف في جوهره أزمة أعمق تتعلق بالفجوة بين السينما كفن جماهيرى والنقد بوصفه خطابًا نخبويًا، وهي أزمة ما زالت مطروحة حتى اليوم.
وخلال الندوة، بدا واضحًا أن الكتاب لا يقرأ فقط سينما نجيب محفوظ، بل يقرأ أيضًا تاريخ النقد السينمائي المصري نفسه، ويعيد طرح أسئلة شديدة المعاصرة: هل ما زلنا نمتلك اليوم “الشهود المحترفين” القادرين على قراءة المجتمع عبر الفن؟ وهل ما زال النقد يؤدي دوره الثقافي العميق، أم تحوّل في كثير من الأحيان إلى مجرد انطباعات سريعة تحكمها لغة “الترند” ومواقع التواصل الاجتماعي؟
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن فقط في توثيق مرحلة مهمة من تاريخ السينما المصرية، وإنما في كشفه للعلاقة الحيوية بين الإبداع والنقد والتاريخ. فالأفلام هنا لا تُقرأ باعتبارها أعمالا مستقلة، بل بوصفها جزءًا من سياق ثقافى وسياسي واجتماعي كامل، بينما يصبح النقاد “شهودا محترفين” على زمن حمل أحلاما كبرى وانكسارات وأسئلة لا تزال تتردد حتى الآن.
وربما تكمن أهمية الكتاب الأكبر في أنه يعيد الاعتبار لفكرة النقد بوصفه فعل فهم وتحليل وتأويل، لا مجرد حكم سريع على فيلم أو تقييم فني عابر. ولذلك فإن “سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون في السبعينيات” لا يبدو مجرد كتاب عن محفوظ أو عن السينما، بل محاولة لفهم روح مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة المصرية عبر الأفلام والعيون التي شاهدتها وكتبت عنها.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
ياسمين صبري والبطولة المطلقة
خالد محمود يكتب : رحلة فى « عقل » فاتن حمامة







