يوميات الاخبار

كيف نقرأ التاريخ وكيف نرى الحاضر؟

د. ريم بسيونى
د. ريم بسيونى


د. ريم بسيونى

أهم ما يشغلنا فى العلوم الاجتماعية، بل نعيد قراءة دراسات مهمة بعين مختلفة لأننا ندرك أن هناك تحيزًا واضحًا حتى والباحث يدعى الموضوعية .

لكل مجتمع خطاب سائد ومسيطر وهذا الخطاب هو نتاج تراكم تجارب إنسانية وتاريخية وسياسية وأيضًا أحداث جارية فى نفس الزمان والمكان. لابد أولاً أن نتفق على أن الخطاب السائد يتبع أيديولوجية وقته ومحدد بمكانه. الهوية الوطنية متطورة وثابتة فى آن واحد. فكل هوية تتطور وتتغير، ولكن هناك بعض المعايير التى تحدد الهوية للأوطان وهذه المعايير بعضها ثابت وبعضها متغير. 
ولكن كيف نقرأ التاريخ؟ وأين هى الحقيقة؟ أولاً لابد لنا أن نخرج من منطقة الراحة، أى نبحث فى أماكن غير مألوفة وكتب لم نكن لنفكر فيها، فربما كتاب عن الطبخ مثلاً يعطينا معلومات تاريخية أكثر من كتاب عن السياسة فى نفس العصر. ومهم جدًا أن نبحث فى كتب مكتوبة بلغة اجنبية وليس فقط كتب بلغتنا الأم. فمثلاً إذا بحثت عن تاريخ المماليك فقط فى مصادر حديثة أو فى الجبرتى أو فى كتب مؤرخى المماليك فهذا لا يكفي، لابد من فهم إطار كل كتاب وظروف كتابته والخطاب السائد وقت كتابته، وأيضًا لابد من معرفة هوية وميول المؤرخ نفسه، فلكل مؤرخ نظرة للحياة وللكون وللأنظمة السياسية والمجتمعية، وإذا لم نفهم نظرته فلن نعرف لماذا كتب ما كتب. والأهم من كل هذا هو أن نقرأ ما كتبه المؤرخون عن المماليك وقت المماليك ووقتنا، ولكن بلغة مختلفة ومن بلاد مختلفة. مثلاً ماذا كتب المؤرخون الإيطاليون عن المماليك وماذا كتب الرحالة والتجار؟ ثم ماذا كتب المتخصصون الأجانب عن الدراسات المملوكية؟ أما إذا اكتفينا بمصدر واحد فهذا يبعد كل البعد عن الحقيقة. 
قراءة التاريخ
إذًا قراءة التاريخ بموضوعية عملية شاقة وبها الكثير من التحديات. قراءة التاريخ تشبه عمل ضابط المباحث، أنت تبحث عن الأدلة لتفهم القصة، ولكنك إذا بحثت فقط فى الأماكن المألوفة فربما ينتهى بك الأمر إلى أن تتهم مظلومًا وتترك الجانى طليقًا. البحث فى الأماكن غير المألوفة مهم وضروري. 
أجد متعة كبيرة فى البحث العلمي، أولاً لأنى أدرس لطلاب الدراسات العليا مادة منهج البحث العلمى فى جامعتي، وأيضًا لأنى استمتع بعمل المفتش أو ضابط المباحث الذى يبحث عن الدليل ليصل إلى الحقيقة. 
فى روايتى الأحدث «كوم النور عباس حلمى الثاني» قمت برحلة لمدة عامين مع الخديو. فى رحلتى مع عباس حلمى الثانى سابع حاكم من أسرة محمد علي، كنت أمام حاكم تم محو اسمه عن عمد من عمه الملك فؤاد الأول لأسباب سياسية تتعلق بالمنافسة على الحكم. «الله حى عباس جي» الاسم والأغنية عالقان فى أذهان المصريين، ولكن التاريخ يراوغ ويتراجع. من أين نبدأ ولماذا لم تظهر الحقيقة كل هذا الوقت؟
وثيقة نادرة
كتب عباس حلمى الثانى مذكراته كأنه أدرك أن محو الاسم سيربك الذاكرة. تخبرنا المؤرخة أميرة سنبل أن مذكرات عباس حلمى تعتبر وثيقة نادرة لوجهة نظر حاكم فى نفسه وفى أحداث عصره وزمانه وأنه ليس من المألوف أن تقع يدنا على مثل هذه الوثيقة. 
وتخبرنا المؤرخة عفاف لطفى السيد مارسو أن عباس حلمى الثانى أراد أن يدافع هو نفسه عن نفسه أمام التاريخ وأمام شعب مصر. توضح المؤرخة أن الرواية التى وصلتنا عن الخديو الأخير هى رواية أعدائه وعلى رأسهم كرومر. وتقول إن عباس حلمى أبدًا لم يكن يستحق العزل من بريطانيا ولا النفي، بل تقول عفاف بوضوح إن بريطانيا لم تكن تستطيع أن تضع مصر تحت الحماية البريطانية وعباس حلمى خديو فكان لابد من التخلص منه. 
ولكن عباس حلمى له كلمة استوقفتنى فى مذكراته أريد أن أعيدها على القارئ. قالها عباس حلمى دفاعًا عن والده توفيق الذى لم يرحمه التاريخ واتهم بالتسبب فى دخول الإنجليز مصر عام 1882
قال «الحاكم أيضًا إنسان». 
أى إن الحاكم ليس أكبر من القدر ولا الحياة ولا يستطيع أن يقوم بأعمال خارقة أو مستحيلة. ولكن عباس حلمى حاول بالفعل أن يقوم بأعمال مستحيلة ونجح إلى حد ما. 
فى هذا المقال أريد أن أتكلم مرة أخرى عن منهج البحث العلمى فى قراءة التاريخ مع إعطاء أمثلة. 
كتب إسماعيل صدقى باشا الذى تولى رئاسة وزراء مصر فى عهد الملك فؤاد مذكراته، وخلال هذه المذكرات تطرق لبعض الأحداث المهمة فى عهد عباس حلمى الثاني. إذا قرأنا مذكرات إسماعيل صدقى باشا لنستخرج منها تاريخ الأحداث التى ذكرها مثلاً حادثة وادى حلفا، وإذا قرأنا مذكراته لنفهم عهد عباس حلمى الثانى فنحن لا نكون منصفين ولا نتسم بالدقة فى البحث. لماذا؟ لأن إسماعيل صدقى باشا كان رئيس وزراء الملك فؤاد، والملك فؤاد كان إلى حد كبير عدوًا لعباس حلمى يحاول أن يمحو سيرته باستمرار. إسماعيل صدقى يوضح فى المذكرات أنه هو نفسه مناهض للإنجليز ووطنى ولكن هل يعرف إسماعيل صدقى حقيقة الأحداث كلها؟ وهل يمكن اعتبار مذكراته المصدر الوحيد؟ 
رجال الحزب والخديو
فلنعط مثالاً آخر أكثر صعوبة. عبد الرحمن الرافعى كتب لنا بعض الكتب الثمينة عن أسرة محمد على وعن الوطنيين فى مصر وتطرق هو أيضًا لأحداث فى عصر عباس حلمي، ولكن الرافعى عندما تم عزل عباس حلمى كان فى الخامسة والعشرين، كما أنه ينتمى للحزب الوطني. إذًا يكتب الرافعى معلومات مهمة، ولكنه أيضًا يرث، سواء أراد أو لم يرد، أى صراع ماض مع أحد رجال الحزب والخديو، ويرث أيضًا أيديولوجية وخطاب حزبه ومجتمعه الذى يختلف عن مجتمع عباس. يكتب عبد الرحمن الرافعى فى أى عصر؟ فى عصر الملك فؤاد أيضًا. 
هل هذا يعنى أن نستبعد كل ما كتب فى عصور ضد حاكم بعينه؟ لا بالعكس نقرؤه بعين نقد ونختار منه ما يفيدنا فى رحلة البحث ثم نقارن الأدلة ونفندها. هذا عمل شاق، ولكنه ضرورى لأى أمانة علمية. 
وجب الذكر هنا أننى فى رحلة البحث وجدت كتابًا حديثًا عن عباس حلمى من مؤرخ مصري. يا للأسف، المؤرخ لا يذكر مذكرات عباس حلمى بالأساس وهذا له عذره لأن المذكرات نشرت بالفرنسية.. فى تسعينيات القرن العشرين. ولكن ليس من الأمانة العلمية ألا يبحث الباحث عن رجال عباس حلمى أنفسهم الذين كتبوا عنه، فنجد أن الباحث لم يقرأ بالتفصيل مذكرات رجال الخديو نفسه مع أنه أشار إليها ولا يستعملها فى فهم أحداث عصر عباس. إذا هذا خلل فى البحث. 
وهذا الخلل يكون لعدة أسباب. السبب الأول يكون، ربما، جهلاً غير متعمد لعدم توافر المصادر حينها. وأحيانًا يكون تحيزًا متعمدًا وتجاهلًا لبعض المصادر فى سبيل تسليط الضوء على بعضها الآخر. وهذا يكون مأساة لأنه يؤثر على فهم ماضينا كله. 
تحيز الباحث
ولكن المؤرخ كما قلنا فى البداية هو نتاج لعصره بمعتقدات عصره والخطاب السائد حينها. فهذا مهم جدًا. ولكن كيف نقرأ التاريخ؟ 
نجمعه كما نجمع الأدلة، من أكثر من مصدر وبأكثر من لغة، من عاصروا الحاكم ومن لم يعاصروه. ولكن بفهم لفكرة تحيز الباحث.
فكرة تحيز الباحث الآن من أهم ما يشغلنا فى العلوم الاجتماعية، بل نعيد قراءة دراسات مهمة بعين مختلفة لأننا ندرك أن هناك تحيزًا واضحًا حتى والباحث يدعى الموضوعية.
لعلنى ألجأ لمقولة لأبى حامد الغزالى وهي: «فلا كل علم يستقل به كل شخص». 
فلابد أن نقرأ أى كتاب بعين النقد ونحن نبحث عن أقرب معلومة للحقيقة، حتى إن كانت من كتاب نختلف معه فى الأيديولوجية او النظرة وهذا صعب، لذا أكرر دومًا أن أبا حامد الغزالى يعطى منهجًا علميًا كأفضل العلماء. 
أريد أن أنهى هذا المقال بأول جملة تبدأ بها رواية كوم النور لعباس حلمى الثانى وهى «صاحب الحكاية هو من يرويها وليس فقط من يعيشها. فما جدوى عيش حكاية لا تروى؟ الحياة هى الذاكرة لا أكثر. إذا تلاشت النفس فى غيابات النسيان فربما لم نتقن العيش».
أترك القارئ يتأمل معنى هذه الفقرة. كل عام وأنتم بخير .