أسرار جديدة من جبانة هليوبوليس.. اكتشاف أول أثاث جنائزي بمقبرة "بانحسي" في المطرية

أول أثاث جنائزي شبه متكامل بمقبرة «بانحسي»
أول أثاث جنائزي شبه متكامل بمقبرة «بانحسي»


ما زالت أرض هليوبوليس القديمة، أو مدينة أون التاريخية، تكشف عن المزيد من أسرارها المدفونة منذ آلاف السنين، لتؤكد مكانتها باعتبارها واحدة من أهم المراكز الدينية والحضارية في مصر القديمة. 

ففي كل موسم حفائر جديد، تظهر شواهد أثرية تسهم في إعادة رسم ملامح الحياة اليومية والعقائد والممارسات الجنائزية التي عرفها سكان هذه المدينة المقدسة عبر العصور المختلفة.

وفي أحدث الاكتشافات الأثرية بمنطقة المطرية في عين شمس، نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن خبيئة أثرية فريدة داخل مقبرة "بانحسي"، تضم أول أثاث جنائزي شبه متكامل يتم العثور عليه في المنطقة، إلى جانب مجموعة من القطع النادرة التي تلقي الضوء على طقوس الدفن والزينة والمعتقدات الدينية التي سادت في هليوبوليس خلال فترات تاريخية متعددة.

اقرأ أيضًا| حكايات| «ساتي» الممنوع منذ قرون.. قصة أغرب طقوس دينية محرمة في العالم

- أول أثاث جنائزي شبه متكامل في مقبرة بانحسي

أعلنت وزارة السياحة والآثار عن كشف أثري مهم بموقع مقبرة "بانحسي" بمنطقة آثار المطرية بعين شمس، وذلك في إطار أعمال الحفائر التي تنفذها البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار بالموقع.

وأسفرت أعمال التنقيب عن العثور على خبيئة أثرية تضم أول أثاث جنائزي شبه متكامل يتم اكتشافه بالمنطقة، بالإضافة إلى مجموعة من اللقى الأثرية النادرة وعدد من الأقراط المعدنية التي يُرجح أنها مصنوعة من الذهب.

وأكد شريف فتحي وزير السياحة والآثار أن هذا الكشف يعكس نجاح البعثات الأثرية المصرية في مواصلة الكشف عن تاريخ مدينة هليوبوليس الحضاري، والتي تعد واحدة من أقدم وأهم المدن الدينية في العالم القديم.

وأشار إلى أن المكتشفات الجديدة تسهم في تقديم صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة الحياة اليومية والممارسات الجنائزية التي اتبعها سكان المنطقة عبر عصور تاريخية متعاقبة.

- دفنة أثرية قادت إلى اكتشاف الخبيئة

ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن أعمال التنقيب الحالية كشفت عن دفنة مشيدة من الطوب اللبن تحتوي على بقايا عظام آدمية.

ومع استكمال أعمال الحفر العلمي الدقيق أسفل الدفنة، تمكنت البعثة من الكشف عن خبيئة أثرية مميزة تضم مجموعة من أدوات الزينة واللقى الرمزية المرتبطة بالمعتقدات والممارسات الجنائزية القديمة.

وأوضح أن المكتشفات تضمنت مرآة مصنوعة من النحاس، بالإضافة إلى مكحلتين من مرمر الألباستر مزودتين بأغطية، وما زالتا تحتفظان ببقايا من مادة الكحل المستخدمة قديماً.
كما عُثر على مكحلة ثالثة مصنوعة من حجر الأوبسديان الأسود، وهو من الأحجار النادرة التي لا يُعثر عليها كثيراً في مثل هذه السياقات الأثرية.

- جعارين وتمائم وقطع يرجح أنها من الذهب

وأضاف الليثي أن البعثة الأثرية، برئاسة الأستاذ قطب فوزي قطب رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة، عثرت أيضاً على إناءين من الفيانس ذي اللون الأزرق الفاتح، واحتوى أحد الإناءين على ستة جعارين رمزية تحمل نقوشاً غائرة، من بينها جعرانان محاطان بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه مصنوع من الذهب.

وفي السياق ذاته، أشار محمد عبد البديع رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة بالمجلس الأعلى للآثار إلى أن الخبيئة ضمت مجموعة متنوعة من التمائم المصنوعة من الفيانس بأشكال رمزية مختلفة.

ومن بين هذه التمائم تميمة على شكل بطة، وأخرى على هيئة تاج الأتف، وهو أحد التيجان الرمزية المعروفة في المعتقدات الدينية المصرية القديمة.

كما تم العثور على أربعة أحجار يُعتقد أن اثنين منها من حجر العقيق، أحدهما ذو لون أحمر وردي ومحاط بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه مصنوع من الذهب، بينما يتميز الحجر الآخر بلون أخضر لازوردي.

- أقراط معدنية نادرة

ومن أبرز القطع المكتشفة أيضاً مجموعة متميزة من الأقراط المعدنية ذات اللون الأصفر.

وأوضح عبد البديع أن هذه المجموعة تتكون من خمسة أزواج مختلفة الأحجام، ويُرجح أنها مصنوعة من الذهب، حيث تتراوح أقطارها بين 1.5 و2.5 سنتيمتر.

وتُعد هذه القطع من اللقى المهمة التي تقدم معلومات جديدة حول أدوات الزينة والحُلي المستخدمة خلال الفترات التاريخية التي شهدها الموقع.

- امتداد لاكتشافات الموسم الحالي

وأشار رئيس قطاع الآثار المصرية القديمة إلى أن هذا الكشف يمثل امتداداً علمياً مهماً للنتائج التي تحققت خلال الموسم الحالي من أعمال التنقيب بالموقع.

فقد أسفرت الحفائر السابقة عن الكشف عن بقايا منشآت جنائزية مشيدة من الطوب اللبن والحجر الجيري، بالإضافة إلى العثور على تابوتين في هيئة أجزاء متراكمة.

وكان أحد التابوتين مصنوعاً من الفخار، بينما صُنع الآخر من الجص ذي الطابع المذهب والمزين بنقوش حمراء اللون، كما احتوى التابوت الأخير على رفات مذهبة يُعتقد أنها تعود إلى شخصية عسكرية مهمة، إلى جانب عملة معدنية يُرجح أنها تعود إلى العصر الروماني.

وكشفت أعمال الحفائر أيضاً عن كتل من الحجر الجيري تحمل كتابات هيروغليفية، وهو ما يعزز أهمية الموقع من الناحية العلمية والأثرية، ويساعد الباحثين على فهم التسلسل الزمني والحضاري للمنطقة بصورة أكثر دقة.

- جبانة تسجل آلاف السنين من التاريخ

وتكمن الأهمية التاريخية والحضارية لهذا الكشف في أن جبانة مقبرة "بانحسي" تمثل سجلاً أثرياً متكاملاً يوثق المراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها المنطقة، فقد استخدمت الجبانة لدفن شخصيات بارزة ومرموقة عبر فترات زمنية متعددة، بداية من العصور المصرية المتأخرة، مروراً بالعصر الروماني، ووصولاً إلى العصور المسيحية.

ويمنح هذا التنوع الزمني الباحثين فرصة نادرة لدراسة التحولات الاجتماعية والعقائدية التي شهدها المجتمع المصري عبر قرون طويلة.

- هليوبوليس.. مدينة الشمس المقدسة

ويُعد موقع مقبرة "بانحسي" جزءاً أصيلاً من جبانة هليوبوليس العظيمة، المعروفة في مصر القديمة باسم "أون".

وكانت هليوبوليس المركز الديني الأهم لعبادة إله الشمس "رع"، وواحدة من أبرز المدن المقدسة في العالم القديم.

ومن هنا تكتسب هذه الاكتشافات أهمية خاصة، إذ تسهم في فهم طبيعة الممارسات الجنائزية والعقائد الدينية التي ارتبطت بسكان هذه المدينة المقدسة، كما تساعد في تتبع التطور الاجتماعي والثقافي الذي شهدته المنطقة عبر العصور المختلفة.

- نافذة جديدة على تاريخ مصر القديمة

وتأتي هذه المكتشفات الجديدة ضمن جهود المجلس الأعلى للآثار للكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وإثراء الدراسات العلمية الخاصة بتاريخ هليوبوليس وجبانتها الشهيرة.

كما تؤكد النتائج الجديدة أن منطقة المطرية وعين شمس لا تزال تحتفظ بكنوز أثرية كبيرة لم تُكشف بعد، وأن مواسم الحفائر المقبلة قد تحمل المزيد من المفاجآت التي تسهم في إعادة كتابة صفحات مهمة من تاريخ مصر القديمة.