فى محراب «البرنامج الموسيقى»

البرنامج الموسيقى
البرنامج الموسيقى


د. أمير عبدالله
صوت الموسيقى ينساب بنعومة من خلال المذياع، وأجواء الليل الحالمة تغلف الأجواء. إلى أن يأتى صوت المذيع معلنا: «وانتصف ليل القاهرة.. إذاعة البرنامج الموسيقى.. من القاهرة».
كان هذا الصوت الصادر من الراديو معلنا أن ليل القاهرة قد انتصف هو جزء من اتصال روحي بالموسيقى، وإيذاناً بأن القادم بعد ذلك هو موسيقى حرة دون برامج أو فواصل، وأنها ستستمر حتى الثامنة من صباح اليوم التالى.

كنت وقتها طالبا جامعيًا فى مطلع العشرينات من العمر، أصادق الراديو قبل أن أصادق البشر، وأجد فى موجاته الأثيرة ما يجعل روحى تأمن من خوف وتطمئن من قلق. 
ومن بين ذلك الزخم الهائل من الموجات الإذاعية والأصوات العابرة استأثرت إذاعة «البرنامج الموسيقي» بمكانة خاصة داخل وجدانى حتى غدت جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتى اليومية، فقد كانت بالنسبة لى نافذة واسعة أطل منها على عوالم الموسيقى الرفيعة بمختلف مدارسها وألوانها، فنهلت من كنوزها حتى ارتوت الروح وتشبع الوجدان بجمال لا ينضب.
ومع مرور السنوات لم تعد علاقتى بها علاقة استماع عابرة، لقد تحولت إلى طقس يومى ثابت ارتبط بالسكون والطمأنينة حتى صار صوت الراديو رفيقا دائما لليل، كنت أتركه قبل النوم ليملأ الغرفة بما تبثه الإذاعة من جواهر موسيقية آسرة فتنساب الألحان بهدوء إلى أعماق العقل الباطن وكأنها تعيد ترتيب الفوضى الداخلية وتمنح الروح سلامها المؤجل.
ولم أسع يومًا إلى فطام ذهنى عن ذلك الارتواء المتواصل من ينابيع النغم، لأن الموسيقى أصبحت جزءا من تكوينى النفسى وحالتى الشعورية حتى إن انقطاعها المفاجئ كان كفيلًا بأن ينتزعنى من أعمق لحظات النوم، وكم من مرة انقطع فيها التيار الكهربائى أثناء الليل فاستيقظت على الفور لا لشيء سوى لأن الموسيقى قد صمتت فجاة.
وكأن العقل قد اعتاد وجودها إلى حد لم يعد يقبل الغياب، حينها لا يعود النوم ممكنًا ولا يستعيد الليل سكينته إلا مع عودة الكهرباء وعودة الألحان مرة أخرى لتنساب فى الأرجاء وتغمر الوعى واللا وعى معا بذلك الصفاء الفريد، عندها فقط أعود إلى نوم هادئ حالم، وكأن الموسيقى هى حالة من السكون الروحى تسمو فوق صخب العالم كله.
سنون طويلة مضت وأنا على هذا العهد لا أتبدل ولا أحيد، تبدلت الأزمنة وتغيرت ملامح الحياة وتسارعت إيقاعات العالم من حولنا بينما بقيت أنا وفيًا لذلك الصوت العتيق النبيل الذى يخرج من أثير إذاعة البرنامج الموسيقى وكأنه قادم من زمن أكثر رقيًا وهدوءًا.
لم تغرنى يومًا تلك الهرولة المحمومة نحو المحطات الإخبارية ولا ذلك الضجيج المتلاحق الذى يستهلك الأعصاب ويستنزف الروح، فقد اكتفيت بعالمى الخاص، عالم تصنعه الموسيقى وحدها حيث لا حدود للخيال ولا صخب يفسد صفاء النفس.
كنت أجد فى كل دفقة موسيقية تبثها الإذاعة حياة كاملة تنبض بالجمال فقد كان النغم قادرًا على أن يعيد للإنسان توازنه المفقود وسط هذا العالم المتسارع.
ومع الوقت ترسخ داخلى يقين عميق بأن تلك الموجة الإذاعية هى الجوهرة الثمينة ودرة تاج الإذاعة المصرية بأسرها، فمنها عبرت إلى عوالم السيمفونيات والكونشيرتات والأوبرات والألحان الخالدة، ومنها تعلمت أن الموسيقى هى لغة راقية تسمو بالوجدان وتهذب الروح وتمنح الإنسان قدرة نادرة على الاحتمال والتأمل والنجاة من قسوة الواقع.
ولعل أعظم ما منحته لى تلك الإذاعة أنها كانت رفيقا دائما للعمر وذاكرة موازية للحياة كل مرحلة فيها ارتبطت بلحن، وكل ذكرى حملتها مقطوعة موسيقية، وكل ليلة سكنها ذلك الأثير الذى ظل لسنوات طويلة يرافق وحدتى ويمنح أيامى شيئا من السكينة التى يصعب العثور عليها فى أى مكان آخر.
نعم تعلمت أن أستمع إلى ما يتجاوز حدود الفهم المباشر، وأن أفتح القلب قبل الأذن أمام موسيقى جاءت من عوالم بعيدة لم أكن أدرك أسرارها كاملة فى البدايات فقد كنت ابن جيل عاش ذروة ما كان يعرف آنذاك بالأغنية الشبابية، جيل يلهث خلف الإيقاع السريع والكلمات الخاطفة وكل ما يواكب سرعة الزمن المتدفق من حوله.
 كانت الحياة تمضى مهرولة، وكانت الأغنيات تولد وتمضى فى أقل من ثلاث دقائق بينما نجوم تلك المرحلة يملؤون الساحة حضورًا، وضجيجًا، وإيقاعًا متلاحقًا.
وسط ذلك كله ظل داخلى توق خفى إلى شيء أبقى أثرًا وأعمق رسوخًا، وكأن الروح كانت تبحث عن زاد يكفيها لأيام العمر المقبلة لذلك تمسكت بالإنصات إلى ما تبثه إذاعة البرنامج الموسيقى حتى تعلمت مع الوقت فن الإصغاء الهادئ وتأمل المعنى الكامن خلف النغم.
هناك اقتربت من عالم بيتهوفن فأصبحت السمفونيات تحملنى إلى اتساع إنسانى مهيب، تعلمت أن أسمع خفقات روح بيوتر إليتش تشايكوفسكى بكل ما فيها من شغف وجنون وعاطفة متدفقة حتى خيل إلى أن الموسيقى تبوح بما تعجز الكلمات عن قوله.
ومن خلال ذلك الأثير العابق بالفن الرفيع رأيت فولفجانج أماديوس موتسارت يقف كقائد أوركسترا ملهم يوزع روحه على العازفين والجمهور معا فتتدفق الألحان فى تناغم ساحر يملأ الوجدان بهجة وصفاء ثم يأخذنى أنطونيو فيفالدى عبر فصوله الأربعة فى رحلة تتبدل فيها الفصول كما تتبدل المشاعر الإنسانية بين دفء وحنين وعصف وتأمل وكأن الطبيعة نفسها تعزف سيمفونيتها الكبرى أمام السامعين.
ولا أنس صوت الراحل الدكتور حسين فوزى وهو يشرح ويفسر ما خفى عن أسرار السيمفونيات المختلفة بصوته الهادئ الوقور الذى تعلمت منه فن الاستماع والاستمتاع.
مرت الحياة مسرعة ودارت الأيام بنا على ذلك النحو الشجى الذى وصفته أم كلثوم فى أغنيتها الخالدة «ودارت الأيام» فتغيرت الوجوه وتبدلت طبائع البشر وانحرفت الذائقة الفنية إلى مسارات أكثر صخبًا وأقل عمقًا حتى غدت الموسيقى الرفيعة ضيفًا نادرًا فى زمن تسيطر عليه الإيقاعات اللاهثة والأصوات المتعجلة التى تتكاثر كل يوم دون أثر حقيقى يبقى فى الوجدان.
ومع هذا التحول الكبير بقى وفائى لـ إذاعة «البرنامج الموسيقي» ثابتًا لا يتغير وكأن بينى وبين تلك الموجة عهدًا قديمًا لا تفسده السنوات ولا تبدله تقلبات الزمن، وخلال هذه الرحلة الطويلة استطعت أن أجمع مكتبة موسيقية ضخمة من مختلف أنحاء العالم تضم كنوزًا نادرة من شتى المدارس والأنماط الموسيقية بأعلى درجات الجودة الممكنة حتى أصبحت تلك المكتبة جزءًا من ذاكرتى وحياتى اليومية، وثروة أباهى بها أمام أصحاب المكتبات الموسيقية الكبرى.
بعد أن تجاوزت عدد ساعات الموسيقى فى مكتبتى ما يقارب من 975 ألف ساعة من الموسيقى. ومن فرط الامتنان لتلك الإذاعة التى علمتنى كيف أستمع وكيف أرهف السمع للجمال فكرت أن أرد لها شيئا من جميلها وأن أهديها هذه المكتبة الموسيقية الضخمة علها تكون نافذة جديدة تضخ روحًا متجددة فى ذلك الأثير العريق الذى رافق أجيالًا كاملة من عشاق الفن الراقى.
غير أن دهشتى كانت كبيرة حين اكتشفت أن تلك الموجة الإذاعية ما زالت تقف عند حدود الزمن القديم دون تطوير حقيقى يواكب تغير العصر، أو حتى يليق بقيمة الإرث الذى تحمله فالخريطة اليومية للمواد الموسيقية تكاد تكون هى ذاتها منذ سنوات دراستى الجامعية، والأعمال ذاتها تتكرر بصورة شبه يومية حتى أصبح المستمع قادرًا على توقع ما سيبث فى ساعات الليل وأطراف النهار وكأن الزمن توقف داخل أروقة تلك المحطة.
دفعتنى الرغبة الصادقة إلى محاولة اللقاء بالمسؤولين عن الإذاعة، نجحت بالفعل فى الوصول إليهم حاملا حلمى البسيط بأن تجد مكتبتى الموسيقية طريقها إلى البرنامج وأن تسهم فى تجديد الدماء داخل هذا الصرح العريق؛ غير أن الفكرة اصطدمت بجدار البيروقراطية الثقيلة التى طالما أطفأت حماسة كل محاولة جادة للتطوير، فكانت الذرائع التقليدية حاضرة من حديث عن موافقات مسبقة وإجراءات طويلة وصولًا إلى التأكيد بأن ما تمتلكه الإذاعة من مواد موسيقية يكفى تمامًا، رغم أن التكرار اليومى للموسيقى ذاتها يعلن بوضوح أن الحاجة إلى التجديد أصبحت أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.
يصعب على المرء أن يتخيل أن صرحًا إذاعيًا عريقًا بحجم إذاعة البرنامج الموسيقى يظل بعيدًا إلى هذا الحد عن مستمعيه، فلا جسور تواصل حقيقية تمتد بينهم ولا مساحة تفاعلية تحتضن آراءهم وشغفهم، ولا رؤية متجددة تعيد رسم الخريطة الإذاعية بما يواكب تغير الزمن وتحولات الذائقة الفنية والثقافية.
فالمستمع الذى يجد ضالته فى تلك الموجة الراقية يفتش عن حالة وجدانية كاملة، وعن نافذة تمنحه قدرًا من الصفاء والجمال وسط هذا الضجيج الكاسح الذى يحيط بكل شيء، ومن المؤلم أن تظل تلك الموجة التى كانت يومًا واحدة من أهم منارات الذوق الفنى محاصرة خلف أسوار بيروقراطية جامدة تكاد تعزل الإذاعة عن جمهورها، وتعزل الجمهور عنها حتى بدا ظلها وكأنه يوشك على الخفوت تدريجيًا رغم ما تملكه من تاريخ وقيمة ورصيد ثقافى بالغ الثراء.
فالنهج الإعلامى المعاصر بات قائمًا على الاقتراب من المستمع والإنصات إليه وفتح أبواب المشاركة أمامه حتى أصبحت الإذاعات الحديثة بمختلف توجهاتها أكثر قدرة على صناعة حالة من الألفة والارتباط الوجدانى مع جمهورها عبر مساحات واسعة من التفاعل والتواصل المباشر، بينما بقيت هذه الموجة العريقة تدور داخل الإطار ذاته دون محاولة حقيقية لمد الجسور مع أجيال جديدة ما تزال تبحث عن الموسيقى الرفيعة وتتشوق إلى من يأخذ بيدها نحو عالم أكثر رقيًا وعمقًا وجمالًا.
ورغم كل ما يعترى المشهد من جمود، وما يحيط بهذه الموجة العريقة من عزلة مؤلمة، فإن الأمل ما يزال قائمًا فى أن تستعيد إذاعة البرنامج الموسيقى ذلك البريق الذى طالما منحها مكانتها الخاصة داخل وجدان أجيال كاملة، فهذه الإذاعة بما تملكه من تاريخ وقيمة ثقافية هائلة ما تزال قادرة على أن تعود من جديد إلى موقعها الطبيعى بوصفها منارة للفن الراقي، ونافذة واسعة تعبر منها الأذن العربية إلى عوالم الموسيقى الكلاسيكية والإنسانية الرفيعة.
فتطوير هذه الموجة  أصبح ضرورة ثقافية وفنية تمليها طبيعة العصر وتحولات الذوق العام، فالأجيال الجديدة، رغم ما يحيط بها من صخب وإيقاعات متلاحقة، ما تزال تملك فى أعماقها استعدادًا فطريًا لاكتشاف الجمال الحقيقى متى وجدت من يقدمه إليها بصورة تليق بروح هذا الزمن وتفهم لغته وأدواته.
وكم أتمنى أن يأتى اليوم الذى تفتح فيه الإذاعة أبوابها للشباب فتمنحهم فرصة الاقتراب من هذا العالم الساحر، وأن تتحول موجاتها إلى مساحة حية للتفاعل والتعلم والاكتشاف، وأن تمتد جسور المحبة بين الموسيقى الكلاسيكية وبين أجيال لم تتح لها الفرصة بعد لتذوق هذا الفن العظيم الذى يسمو بالروح ويهذب الوجدان ويمنح الإنسان قدرة نادرة على التأمل والسكينة.
أتمنى أن أرى خرائط إذاعية جديدة تنبض بالحياة، وأن أستمع إلى برامج تقدم الأعمال الكلاسيكية بروح معاصرة تقربها من المستمع دون أن تنتقص من قيمتها، وأن أرى مواهب شابة تتحدث عن شغفها بالموسيقى العالمية وتشارك المستمعين رحلتها مع السيمفونيات الخالدة، وأن تصبح هذه الإذاعة مرة أخرى بيتا كبيرًا لكل من يبحث عن الفن الذى يبقى أثره فى الروح طويلًا.
فالموسيقى الكلاسيكية لم تكن يومًا فنًا نخبويًا مغلقًا كما يظن البعض، لقد كانت دائمًا لغة إنسانية قادرة على ملامسة القلب متى وجدت من يقدمها بمحبة ووعى وصدق، وكم من شاب ربما تغيرت حياته لو أنه استمع فى لحظة ما إلى سيمفونية تهز وجدانه، أو لحن يأخذه بعيدًا عن ضجيج العالم إلى مساحة أكثر رحابة وصفاء.
أجدنى الليلة وقد عدت من عملى منهكًا مثقلًا بإرهاق يوم طويل أسرعت نحو سريرى بحثًا عن بعض الراحة، لكنى وجدت يدى وقد امتدت تلقائيًا نحو جهاز الراديو كعادتها القديمة وكأن بينى وبينه إدمانا لا ينقطع، أدرت المؤشر ببطء حتى استقرت الموجة على ذلك الأثير الذى رافق عمرى سنوات طويلة، يأتينى الصوت ذاته الذى عبر الزمن وبقى كما هو يحمل دفء الليالى القديمة وهيبتها وهدوءها العذب ليقول فى سكينة مألوفة:
«وانتصف ليل القاهرة... البرنامج الموسيقى من القاهرة».