وظيفة الشاهد

وظيفة الشاهد
وظيفة الشاهد


سارة عزيزة

ترجمة: عصام محمد الجاسم

 

فى الصباح، وبينما يتخبط الآخرون فى مِشيتهم لتناول قهوتهم، أستيقظ لأجمع أخبار الموتى. أستهلّ يومى بتفقد تطبيق ‹الواتساب›، حيث أتلقى، فى أفضل الأيام، صورة لخبزٍ طازج، تُنبئنى بأن عائلتى تناولت طعامها اليوم، وفى أسوأ ضدها، أفجعُ بأقاربَ يفتك بهم الجوع، أو ينهشهم المرض، أو يقتنصهم القتل، ثم أتجه باشمئزاز إلى مواقع التواصل الاجتماعى. لقد نال منى الإعياء مَنالاً لم أعد معه قادراً على تحصين روحى ضد الصدمات، فأرغمُ إبهاميَّ على التصفح (وهل ثمة فعلٌ أكثر رتابة وابتذالاً من هذا، أن تتصفح الفظائع!)، هناك، يتعاقب الرعب بالفظاعة التى تتبعها المأساة، فى سلسلة متتالية من المربعات المتناظرة، كل واحدة منها أصغر من راحة يدي.

شاهد، أقول لنفسى. أرى ما كان على الأرجح مبنىً، لكن لم يتبقَّ منه سوى كومة من الأنقاض الحادة المتصاعدة منها الأدخنة. أُحدِّث نفسي: راقب، بينما يندفع رجال نحيفون يرتدون الصنادل، يشرعون فى الخبط على ألواح الأسمنت وحديد التسليح والطوب. صيحات تتردد، تقترب الكاميرا، تبدأ أذناى بالطنين،  أتوق إلى الضغط على زر التصوير. انظر، هؤلاء هم قومك. أجبر عينى على البقاء.
انظروا. هذا نداء تحذير يتردَّد مراراً خلال أسابيع القتل الدموية. اشهدوا، صرخة ضد المحاولات الشرسة والمنسقة لإنكار الدمار الذى لحق بغزة والضفة الغربية. اشهدوا، نُرددها لأنفسنا بينما يُهددنا العجز ونحن ننظر من طرفنا البعيد عبر المنظار. اشهدوا، نقولها، ولكن بعد ثلاثة أشهر من إبادةٍ جماعية تُبثّ حيّاً بلا انقطاع، لا بدّ لنا أن نتساءل—ما فائدة كل هذا النظر؟
لقد سعى سكان غزة بالفعل إلى جذب أنظارنا واستصرخوا ضمائرنا فى خضمّ هذه الأيام الحالكة والمحفوفة بالمهالك. ففى تحدٍ سافرٍ لآلة الاستهداف الإسرائيلية التى طالت الصحفيين وعائلاتهم - الأمر الذى جعل هذا الصراع الأخطر على الصحفيين فى التاريخ - خاطر الفلسطينيون بكل شيء لتوثيق الأحداث ونشرها. فمنذ ساعات المجزرة الأولى، هبّوا مسرعين نحو أنقاض المبانى المدمرة، مُشرعين عدسات كاميراتهم لتوثيق الكارثة القادمة. كان ذلك استجابة فطرية، وغريزة عفوية لا تقبل التردد: أن يُوثّقوا، وأن يفضحوا، وكأن حجم العنف وهول البطش وبشاعته قد زلزل كيان الغزيين -على ما أضناهم من طول الحصار- ليوقنوا فى قرارة أنفسهم أن إسرائيل هذه المرة قد بلغت من الطغيان عتياً، وتجاوزت كل الحدود، وأن هذا البغى، حتماً، لا يمكن أن يمر مرور عابراَ....
وهكذا، وعلى بعد أمتار قليلة من مواقع القصف، وبأيدٍ ما زالت ترتعشُ من هول الرعب، قام هؤلاء المبدعون الناجون ليبثّوا للعالم تفاصيل تقويض عالمهم وفناء ديارهم. إن تقاريرهم تلك لم تكن مجرد أنباء، بل هى فعلُ مقاومةٍ حقيقى، إذ تنقل حقائق تُحذف بشكل ممنهج من وسائل الإعلام التقليدية. منذ اللحظة الأولى، أوصدت إسرائيل الأبواب دون الصحفيين الأجانب وحرّمت عليهم دخول غزة، باستثناء عدد قليل ترافقهم فى جولاتٍ مرسومة بدقة تحت بصر الرقيب. يُحظر على هؤلاء الصحفيين من محاورة الفلسطينيين فوق ترابهم، ومُلزمون بتقديم تقاريرهم على مقصلة الرقابة العسكرية الإسرائيلية لإجازتها قبل أن يرى أيُّ حرفٍ منها النور.
بشكلٍ عاطفى ومرير نرى العديد من الوجوه الشابة التى غدت أيقوناتٍ لهذا الأرشيف الحى الذى ينبض بالحياة وسط الموت—أولئك الذين نجرؤ على مناداتهم بأسمائهم الأولى، مثل بيسان، بلستيا، معتز— قد انصبَّ جُهدُهم على إنتاج محتوى باللغة الإنجليزية، بهذا الاختيار الواعى، أعلنوا بوضوحٍ لا لبس فيه أن هذه الصور والكلمات لم تُصنع لتوثيق تجاربهم الخاصة المؤلمة فحسب، بل لتوقظ بها القلوب الغافلة، ولتهز الضمائر النائمة لدى الجمهور الغربى الذى لا يراهم إلا من خلال الشاشات البعيدة.
فى البداية — إذ كنا نحن فى الغرب لم نألف بعد قصفَ المستشفيات وحصارها، ولم يتكشَّف لنا بعد ذلك الرماد الشاحب الذى يغشى خدود الأطفال الموتى — كانت هذه المشاهد تنبض بضرورة أخلاقية ملحّة. فى ذلك الزمنِ القريبِ الذى صار بعيداً لا يُدرك، كان يُمكن للمرء أن يظنَّ أن أفعالاً بهذه الفظاعة سَتُدين نفسها بنفسها، حتى إسرائيل قد أبدت فى البداية بعض الموافقة على فكرة الخطوط الحمراء، وروجت لكذبات واهية فوقَ حطامٍ ما زال يتصاعدُ منه الدُّخان: «لم نقصف مستشفى، نحن نقتل الإرهابيين فحسب، لا نستخدم الفوسفور الأبيض...» 
لكن سرعان ما سقطت الأقنعة عن هذه الذرائع. «دعوهم يشاهدوا»، هكذا يبدو لسان حال النظام وهو يبثّ مشاهده الخاصةَ للأحياءِ التى سُويت بالأرض، وفلسطينيين عُصبت أعينهم وجُرّدوا من ثيابهم. لقد أثبت النظام لنفسه، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الخط الأحمر لا وجود له إلا فى الأوهام.
إنّه لمشهد مؤلم، ذاك الذى نرقب فيه ملامح اليقين وهى ترتسم على وجوه أهل غزة، فى إدراكٍ مفجع لحقيقة واقعهم، فعلى امتداد أسابيع طاحنة من المذابح المستعرة—والتى لم تفتأ فيها الولايات المتحدة تُشكك فى أعداد الضحايا الفلسطينيين، تارةً، وتُجهض بـ «الفيتو» قرارات وقف إطلاق النار الدولية، تارةً أخرى—استحال قلق الصحفيين المتواصلين مع الغرب غضباً لاهباً، إنهم يواجهون عالمًا يشهد فيه ملايين الأشخاص على إبادتهم الجماعية، ومع ذلك تستمر هذه الآلةُ الوحشيةُ فى دورانها بوتيرة متسارعة.
لقد كتب «معتز عزايزة» على منصات التواصل الاجتماعى فى أوائل ديسمبر، بمدادٍ من القهر: «لقد شاركتُ بما يكفى، والله يعلم أن ذلك كان لوجهه تعالى ثم لأجل وطنى. إن وضعنا مأساويٌّ فوق ما يتصوره خيالكم!». لم تكن كلماته مجرد صرخة، بل كانت لائحة اتهامٍ ومرثيةً للضمير الإنسانى فى آنٍ واحد، حين قال: «تذكروا أننا لسنا مجرد مادةٍ للمشاركة، نحن أمةٌ تُباد.. كم نحن وحيدون!».
إنّ تقارير «بيسان عودة» اليومية أشبهُ بتسجيل زمنيٍّ مكثف لامرأةٍ شابّةٍ تدفعها الصدمةُ والأسى من حالٍ إلى حال، لتقذف بها فى أتون غضبٍ يغلى فى أعماقها. لأسابيعَ، كانت منشوراتُها شاهداً حياً على ما كانتْ عليه فى حياتها الماضية كحكواتيةً، راويةً بارعةً، تصوغُ ببلاغة تقاريرَ تُزيّنها أحياناً بنصوص مؤثرة، ولكن، ومع حلول الثامن والعشرين من ديسمبر، تطلُّ علينا بوجهٍ شاحب، ضمرت ملامحه، وعينين بنيتين يقدح منهما الشرر، وهى تتساءل بنبرةٍ يملؤها الارتياب: «إلى متى؟ لقد وثّقنا صنوف المجازر كافة؛ ضد المستشفيات، والمدارس، وبين المدنيين العُزَّلِ، وفى الأزقة، ومراكز الإيواء، وفى كل حدبٍ وصوب... ومع ذلك، لم يتغير من الواقع شيء. لقد سجلنا كل مشهد، وعرضنا عليكم ما لم تره أعينكم حتى فى خيالات هوليوود.. وثّقنا كل ذلك، ولم يتغير شيء».
معضلة الفلسطينى فى الشتات: فى المنفى، هى أن نُجبرُ على مشاهدة فلسطين عن بُعد، ومع ذلك تظل أرواحنا معلقة بوشائج لا تنفصم مع ما يعصف بها من أحداث دامية. نقف حائرين بين تيارات شتى من سطوة القوة وقسوة القهر، ونكابد الأمرين بحثاً عن الرد الأنجع فى الرد على التساؤلات باستباحة دماء ذوينا وأهلنا. أشعر بوقع كلمات «بيسان عودة» تلسعنى كالسياط، وأدرك فداحة التبعات الأخلاقية التى يفرضها موقعى، بصفتى مواطنة أمريكية دافعة للضرائب. بيد أننى، كفلسطينية لها جذور فى غزة، فقد خضت صراعاً مريراً مع تساؤلاتى الخاصة حول الكشف عن هويتى. أنا أيضًا أعرف الدافع وراء الرغبة فى نشر مأساة عائلتى، ومطالبة الآخرين بأن يكونوا شهوداً عليها.
فى مستهل الأسبوع الأول من المأساة، خطر لى أَن أنشر صورةً لأبى وهو طفل لاجئ فى غزَّة حينما كان فى السادسة من عمره. كانت هذه مساهمتى المتواضعة فى حوار يسعى إلى إظهار إنسانيتنا بوضوح، عسانا بذلك نغدو أهلاً للرحمة، بيد أننى أحجمتُ، رافضة استغلال براءة والدى، فلطالما كنتُ، على امتداد سنيّ حياتى، شاهدة على مصادرة جمالنا وطمس قيمتنا وكأنه أمر بدهى لا جدال فيه، فما الذى كنتُ أرجو أن أجنيه من تعريض وجهه الطفوليِّ البريء لأنظار هذا العالم؟
فى اجتماع تنظيمى حضرته بعد ذلك بوقت قصير، دار نقاشٌ حادٍّ حول جدوى نشر صور العنف الأكثر فظاعة، ومقاطع الفيديو الأشد رعباً، وكان الإجماع السائدُ فى القاعة على أن مشاهد الأطفال أشلاءً مُمزقة وأجساداً مسحوقة هى وحدها كانت الكفيلة باستنهاضِ العالم الغربيّ وحملهِ على التحرُّك، حينها رفعت صوتى مُعربةً عن شكّى، أبحث عن الكلمات المناسبة للتعبير عما يثير قلقي: » كلا، لا أعتقد أنه ينبغى تجميل هذه الإبادة الجماعية أو تهذيب بؤسها؛ بل إننى، فى واقع الأمر، أرومُ إلى تحطيم براءة الغرب المزعومة، وتفجير أوهامهم الأخلاقية، وإدانة ذرائعهم وحججهم الواهية حول مقولة «الدفاع عن النفس». من المسؤولية والصواب نشر هذه الصور وتضخيمها؛ فلا توجد حساسية تستحق الحماية على حساب الحقيقة القاتلة».
ومع ذلك، وبالرغم من كل شيء، تظلُّ أجسادنا غالية للغاية، وتزداد قيمتها يوماً بعد يوم من القتل. أشعر برغبة فى حمايتها، وتتملكنى ريبةٌ من هذا النشر المستباح لأحزاننا على نطاقٍ واسع.  لقد بات يسكننى يقين متجذر بأنَّ مثل هذه المشاهد والصور لا ينبغى أن تُبذل هكذا، بل يجب أن تُكتسب بطريقة ما، وأن تُقابل بمواقف وأفعال ملزمة من العمل الجاد — وإلا فما الغايةُ من النظر إليها؟ لطالما تردد شعار شائع على اللافتات والهتافات فى المظاهرات: «لا يمكنك القول إنك لم تكن تعلم». لقد تشبعنا بهذا العلم الآن ومعرفته، ولو قُدّر لنا ألا نرى صورةً واحدةً بعد الآن، لظلت غايتنا جليةً لا لَبس فيها. كان ينبغى أن ينقذ وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه الأسبوع الماضى الجثث التى تم تصويرها هذا الأسبوع؛ وسنظلُّ نرددُ القولَ ذاته كل أسبوع، إلى أن ينجلى هذا الشرُّ وينتهى أمره.
فى نهاية المطاف، آثرتُ نَشر صورة والدى وقد طُمست ملامح وجهه؛ لم تكن تلك مناشدةً للشهود المحتملين، بل استنطاقاً لهم، ومحاولةً لردّ بصر الناظر إليه، وإلاّ فما هو شعور المرء حين يصطدم بهذا العائق البسيط الذى يحولُ بينه وبين الوصول إلينا؟ وإذا كان ذلك يثير الدهشة أو الإحباط، فماذا يُفصِحُ ذلك عن توقعات المُشاهد ونواياه؟  وهل يغدو التعاطف مع هذا الصبيّ رهيناً بمدى وضوحِ ملامح وجهه؟
أحيانًا، يكون الحجب، ورفض الظهور، فعلًا من أفعال السلطة والقوة. «إنهم لا يبصروننا، لا يأبهون بنا»، كثيراً ما قلتُ ذلك فى معرض حديثى عن سادة الغرب، وما أعنيه بذلك هو أنَّه لو قُدّر لهم حقًا أن يروا كنه حقيقتنا، لتداع أركان النظام العالمى الراهن وخرّت صروحُه. هذا ينطبق على كثير من الكيانات التى ترتكز عليها سلطة قمعية استغلالية، إذ يمثل «نزع الإنسانية» عنها ركنًا جوهريّاَ وشرطًاَ لازمًا لاستمرار تلك المنظومات وبقائها. إن غيابنا عن المشهد ليس مسألة نقص فى الصور، بل هو نتاجُ رؤية اجتماعية-سياسية تُستبعد فيها الشهادة الحقيقية أصلًا، وتُقصيها من دائرة الإمكان.
لهذا السبب يعجز الوضوح ويقصرُ البيان.
فى اللغة الإنجليزية، تحمل كلمة (witness) «شاهد» -عادة- دلالات متعلقة بالمحاكم الجنائية. الشاهد هو من يدلى بشهادته حول صحة حدث مزعوم. ربما يمكن فهم دوافع المراسلين فى غزّة، فى هذه المرحلة المتأخرة من الإبادة، وأجدرُ أن تُقرأَ من خلال هذه العدسة وتُفهم فى ضوء هذا الإطار، فبالرغم من إعلانهم الشعور بالعجز واليأس، لا يزال «بيسان وعزايزة»، ومعهما آخرون غيرهما مثل وائل الدحدوح، ماضين فى توثيق كارثة غزّة التى تزدادُ وطأتُها يومًا بعد يومٍ وتتعمَّقُ جراحُها ساعةً إثرَ ساعة، يُقدّمون لنا، غير آبهين بما يُحدق بهم من أخطارٍ جسام، الدليلَ الدامغَ على وحشية إجرامية، ممولة من قوى غربية، ولعلّ المرءَ يأملُ أن يأتى اليوم الذى تُستخدم فيه هذه الأدلة فى المحاكم الدولية.
ومع ذلك، لم أكن أفكر فى مصطلح «شاهد الإثبات» ((prosecutorial witness باللغة الإنجليزية، بل فى نظيره باللغة العربية. ففى لغتنا هذه، يُشتق الفعل «يشهد» من الجذر اللغوى «شهد»، وهذا الجذر هو أيضًا أصل الكلمة التى كثيرًا ما يُساء فهمها، «شهيد»، والتى تعنى حرفيًا «الشاهد»، لكنها تُترجم غالبًا إلى  «الشهيد» (martyr). إنها كلمة تنطوى على معانٍ وتاريخ متعدد الأبعاد، فلا تقتصر دلالتها على الرؤية فحسب، بل تمتدُّ لتشمل الحضور والقرب والمُعاينة؛ أن تكون شاهدًا يعنى أن تتواصل، وأن تتأثر، وأن تحمل آثار دلائل هذا التأثير.
كلمة «شهيد» هى المفردة التى يستخدمها الفلسطينيون ليصفوا بها من أُزهقت أرواحهم على يد العنف الإسرائيلى، وهى كلمة استدعت إدانةً شديدةً من الجامعات والصحافة الأمريكية، التى ما فتئت تتوهَّم أنها تعرف معانى المفردات ذات الأصول العربية، دون أن تكلّف نفسها عناء البحث والتقصى. فهم يزعمون أن كلمة «شهيد» (martyr) تمجد الموت من أجل الموت ذاته، بيدَ أنَّها فى هذا السياق جديرة بأن تُقرأ بوصفها تكريمًا للحقيقة التى تنطقُ بها تلك الأجسادُ المُنتهكة والمُنكّل بها، فأجسادهم التى تحمل آثار العنف الاستعمارى، والذى وسمهُ بِميسَمه، تُجسّد بجلاءٍ ما قاسوه من ظلمٍ جامحٍ وجورٍ فادح، ويكشفُ للأبصار ما كابدوهُ من بغيٍ لا يعرف حدًّا ولا يُقيم وزنًا، وبعبارةٍ أخرى: إنَّ استشهادهم يُنبئُنا بحقيقة عالمنا هذا.
فى أجواء الألفةِ الزائفة والغريبة التى تسود وسائل التواصل الاجتماعى، تكون اللحظات الأكثر كشفاً عن الحقيقة هى تلك الأقل تخطيطاً وافتعالاً؛ وهى لحظات يأبى جوهرها أن يُحبس فى إطار اللغة الإنجليزية مهما بلغت درجة إتقانها، ففى بث مباشر على إنستغرام فى الخامس من ديسمبر/كانون الأول، شاهدتُ «بيسان عودة» وهى تغالب دموعها، تتحدث بصدقٍ جارف وبلسانٍ عربى مبين عن فرط استنزافها ومخاوفها، وبينما انبرى بعض المشاهدين ممن يتقنون اللغتين لترجمة كلماتها فى ركن التعليقات، تهاطلت ردود الفعل بالإنجليزية تنهال عليها بعبارات الثناء على شجاعتها البطولية، لكن حين انضمت إليها الصحافية الفلسطينية مراسلة الجزيرة «فاتن علوان» فى البث، لم تقدم لها تحفيزاً بل منحتها عزاءً ومواساة، وبصوتٍ يرتجف بفيضٍ من المشاعر الصادقة، ناشدتها بالعربية قائلة: «لا تكونى شجاعة، لا تكونى قوية يا بيسان، لا تكونى أى شيء، كونى نفسكِ فحسب».
نفسُها (ذاتُها!). ولكن، أيُّ كنهٍ لتلك الذات ندركُه نحن، متابعيها من بعيد؟ وما مقدار ما سيبقى منها؟ إنَّ دموع بيسان هى الشاهدُ الحقُّ على ذلك العالم القابع وراء بكائها؛ فهى وحدها التى تدرك، على وجه التحديد، كُنهَ ما ترثيه، بيدَ أنَّ حزنها، شأنَه شأن حزن كل فلسطينى، يُشير إلى الانتهاك الغائر الذى تنطوى عليه الحرب، وخلافًا لتلك الصور القاصرة التى تروّجها وسائل الإعلام الغربية، فإن الحزن ليس حالتنا الطبيعية والفطرية، بل علينا أن نوقن بأنَّ غزة مَدًى شاسعٌ من الوجود، وما هذه المجازر، ونظراتنا العابرةُ عنها، إلا النَّزرُ اليسيرُ من حقيقتها الكبرى.
«تعبنا.. تعبنا!»، عبارةٌ تترددُ أصداؤها مرارًا وتكرارًا وأنا أُتابعُ أخبار غزة باللغة العربية. يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية ببساطة (we are tired, we are tired!) » إننا مُتعَبون، نحن متعبون!»، لكنَّ جوهرها الأعمق ينطقُ بلغة الروح؛ إنها صرخة تقول: «لقد وصلنا إلى أقصى حدود طاقتنا، لقد بلغنا منتهانا، واستُنزفت نفوسنا، الإرهاق يلتهمنا». يردد سكان غزة «تعبنا، تعبنا»، متحدثين بصيغة الجمع حتى عند إجراء مقابلة معهم منفردين. مهما بلغت معجزة الصمود الفلسطينى، فإنها ليست بلا حدود. يجب أن يكون صمودنا وقدرتنا على التحمل وسيلة لا غاية. إنَّ ما تتوق إليه غزة - وما تستحقه عن جدارةٍ - هو العدلُ، والتحرُّرُ، والحياة.
أعرب أقاربى، مثل بيسان عودة، عن مشاعرهم التى تجسد الصمود فى أبهى صوره ممزوجاً بلوعة «الفقد»، وعلى غرار قصيدة الشاعر الفلسطينى «رفعت العرعير»، تلك التى تنبأ فيها بموته الوشيك واستردّ بها كرامة الموت قبل وقوعه، بعث لى أقاربى رسائل يعبّرون فيها عن رغبتهم فى أن تُروى قصصهم فى حال وفاتهم (لا سمح الله). كتب لى ابن عمى نبيل، ذلك الشاب ذو الخمسة وعشرين ربيعاً، قائلاً: «ما زلنا هنا، نكابد البقاء فى مناطق الإخلاء، ولا ندرى إلى أينَ نمضى. كلُّ الأماكن مكتظة والأوبئة تتفشى فى كل زاوية... إن لم يكتب لنا اللقاء، فاكتُبى عني؛ أنّنى كنت محبّاً للحياة، شغوفاً بعالم الصيدلة والكتابة، وأنّنى كنت شخصاً مسالماً، لا يحمل فى قلبه سوى الأحلام».
عندما يقفُ المرءُ بقدمٍ واحدة داخل دائرة الرعب، لا يمكن أن تكون الشهادة مجردة أبداً، ورغم كل ما ينتابنى من تحفظات وهواجسُ إزاء وضوح الصورة، إلا أننى أُجِل رغبات أولئك الذين يعيشون على تلكَ الأرض، الرازحينَ تحت وابل النيران ووطأة قصف القنابل. يُطلب منى أن اكون مستعدة لإلقاء كلمات التأبين والرثاء، كما يُطلب منى أن أروى حكاياتهم، وسواءً أجبت على الهاتف أم لا، فإنى لا أملك أبداً ترف الانصراف بنظرى عما يجرى. إنَّ كلَّ فلسطينيٍّ يشهد على هذه الحقيقة: إنَّ كلُّ يومٍ يمرُّ فى ظلِّ هذا المحو المستمر، يتركُ ندبةً فى الروحِ لا تُمحى، وكلُّ قنبلةٍ تهوى، تقتطعُ معها جزءاً منا، حتى وإن نَجَت أجسادُنا من شظاياها.
طالما بقى الفلسطينيون أحياءً يدونون معاناتهم ويُشاركون مأساتهم، فإنَّ واجبَ الشهادةِ وإشكاليتها سيظلَّان قائمين، وبينما نراقب ما يجرى، علينا أن نعى أن لتدفق مشاعرنا حدودًا، ولتفاعلاتنا توازناتِ خاصة فى موازينِ القوى. الحزن والغضب مشاعر مبررة، لكن علينا الحرص على ألا نهرب فننغلق على ذواتنا، فنمحو الألم الأساسى والجرح الرئيسى باستبداله بألمنا نحن. وكما لاحظت الشاعرة الأمريكية من الأصول الهندية الحمراء المجافية «ناتالى دياز»: «التعاطف هو رؤية أو سماع شيء ما حدث لشخص ما، وتخيل كيف سيكون شعورك لو حدث لك ذلك. إنه، فى جوهره، لا يمتّ إليهم بصلة». أو بعبارة أكثر إيجازاً، كما صاغته «سولماز شريف» الشاعرة الأمريكية من أصول إيرانية: «التعاطف يعنى / أن تستلقى أنت / فى مساحة الخطوط المرسومة حول جثة غيرك / ثم تلتقط لنفسك صورة».
ينبغى لنا نحن - أولئك الذين يعيشون خارج فلسطين، ويشاهدون فواجعها من وراء الشاشات - أن نُعيد تعريف ذواتنا فى رحاب إرث الشهيد، إن دورنا كشهود يجب أن يترك فينا أثراً بليغاً؛ فلا ينبغى لنا أن نتركه دون أثر، أو أن نخرج منه سالمين بغير جراح. علينا أن نُجهد أنفسنا للبقاء فى حضرة ما نشهد، والسماح لأنفسنا بأن نتألم ونُجرح. هذا الجرح ضرورةٌ قُصوى، وفى غياهب ثنايا هذا الجرح، ينهمر الخيال - ليس لانتهاك ذاتية الآخر، بل ليوقظ فينا رهبةً وإجلالاً أمام عمق كل حياة، وقدسيتها، وتفردها الذى لا يتكرر. هناك، ربما نلمحُ —ولو بطرفٍ خفي—  كم من معاناة فى غزة ستظلُّ عصيّةً على الإدراك، ومستترةً عن عيون العالم. من هنا، وفى رحاب هذا الغموض الموغل، يجب أن تبدأ الشهادة الحقيقية.
لعل الجوهر الأسمى لدور الشهادة يكمن فى كونه تجلياً للإيمان—قفزة أخلاقيَّة وتَخيُلية تتجاوز حدود ما تبصره عيوننا لتستقر فى بصيرة النفْس، إنه إجلال رصين، والتزام مستميت بالذود عن «الآخر» الذى يظل فى كينونته عصياً على الإدراك التام. هذا الالتزام لا يستمد ديمومته من التأجيج المستمر عبر التقارير المفجعة أو الأنباء الدامية؛ فالشهادة ليست مجرد فيضٍ من المشاعر العابرة، بل هى موقف وجودى راسخ، إنها إصرار على التجسد فى قلب المأساة، وعلى التضحية والحداد، ومقاومة كل ما تقع عليه العين من جور. إن العالم فى أعقاب الإبادة الجماعية لا ينبغى له، ولا يمكن له، أن يبقى على حاله، فالشاهد هو ذاك المرابط على ثغور الحقيقة، الذى يذود عن حياض الواقع، كاشفاً زيف «الاعتياد» ورافضاً أكذوبة السكون، وفى غمرة انكسارنا أمام ما نرى، نتحول نحن أنفسنا إلى تجسيدٍ حى لهذا التمزق الكونى، ونغدو «الصدع» الذى يأبى الالتئام فى وجه الباطل، ومثلما صاغه ابن عمى نبيل، الصيدلى، ببيانٍ أبلغ وبشكل أعمق وأفصح: 
«لا أزال أُصرّ، وأُكرّر القول على أننا لم نعتد على القصف، ولا ألِفناه، ونخشى مما قد يحلّ بنا. لم تألف أبصارنا مآسى البؤس ومشاهد الألم والوجع، بل هى جراح لا تفتأُ تمزق نياط قلوبنا. لم نعتد على تلك المجازر التى يرتكبها الاحتلال... كلا، فخلف كلّ شهيد كانت هناك ثمة حياة تنبض، وحُلم يزهر، وقصة لم تكتمل».