شهدت العاصمة البريطانية لندن مؤخراً يوماً مشحوناً بالتوتر السياسى والاجتماعى، بعدما تزامنت مظاهرات حاشدة مؤيدة لفلسطين بمناسبة ذكرى النكبة مع تحركات لمجموعات يمينية متشددة فى اليوم نفسه، مما دفع الشرطة البريطانية إلى نشر أعداد كبيرة من عناصر الأمن فى وسط المدينة تحسباً لأى صدامات محتملة.
وتعكس هذه الأحداث حالة الاستقطاب التى تشهدها بريطانيا منذ اندلاع الحرب فى غزة، حيث تحولت شوارع لندن إلى ساحة للنقاش الحاد حول الحرب، وحرية التعبير، والهجرة، والهوية الوطنية، والعلاقة بين الجاليات المختلفة داخل المجتمع البريطانى.
وتقول المجموعات المنظمة لمظاهرات دعم فلسطين إن تلك الاحتجاجات تعبّر عن غضب شعبى واسع تجاه حجم الدمار الإنسانى فى غزة، خصوصاً مع تزايد أعداد القتلى المدنيين، واتهامات منظمات حقوقية لإسرائيل بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولى.
وفى المظاهرات الأخيرة، احتشد المتظاهرون فى مناطق رئيسية بوسط لندن، بينها وايتهول ومحيط البرلمان البريطانى وساحة ترافالجار، حيث رفعت لافتات تنتقد الحكومة البريطانية وتتهمها بالانحياز لإسرائيل، كما طالب المحتجون بفرض عقوبات على تل أبيب ووقف تصدير السلاح إليها، ورُفعت بين الحشود أعلام ولافتات حملت شعارات مثل «اسحقوا اليمين المتطرف» و«أطلقوا سراح الرهائن الفلسطينيين»، فيما ارتدى كثير من المشاركين الكوفية الفلسطينية، التى تُعد رمزاً للتضامن مع الفلسطينيين..
وشارك فى إلقاء الكلمات خلال التجمع كل من جيريمى كوربن وزارا سلطانة، المؤسسين المشاركين لحزب «يور بارتى»، إضافة إلى النائبة المستقلة ديان أبوت، والنائبة العمالية أبسانا بيجوم.
ورغم أن أغلب المظاهرات المؤيدة لفلسطين اتسمت بالسلمية، فإنها تعرضت لانتقادات حادة من سياسيين وإعلاميين بريطانيين، خاصة من التيارات اليمينية والمحافظة، الذين اتهموا بعض المشاركين بإطلاق شعارات معادية لليهود أو بتأجيج الانقسام المجتمعى، كما أثارت هذه المظاهرات المتكررة تساؤلات داخل الأوساط السياسية البريطانية حول تأثيرها على الأمن الداخلى وعلى صورة لندن كمدينة متعددة الثقافات.
وفى المقابل، خرجت فى اليوم نفسه مجموعات يمينية متشددة فى مظاهرات مضادة قالت إنها تهدف إلى «حماية الهوية البريطانية» ورفض ما تصفه بـ«التطرف الإسلامى» و«الفوضى» فى الشوارع البريطانية، وحملت هذه المسيرة التى نظمها الناشط اليمينى المتطرف تومى روبنسون، اسم «وحّدوا المملكة».
ورفع بعض المشاركين الأعلام البريطانية والإنجليزية، بينما هتف آخرون بشعارات قومية معادية للهجرة والإسلام، كما ارتدى بعضهم قبعات حمراء كُتب عليها «لنجعل إنجلترا عظيمة مجدداً».
وتركزت بعض هذه التحركات قرب محطات القطارات وفى مناطق وسط لندن، وسط حضور أمنى كثيف.
وضمت هذه المجموعات اليمينية خليطاً من ناشطين قوميين ومتطرفين ومناصرين لحركات يمينية سبق أن برزت فى بريطانيا خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى وتصاعد الجدل حول الهجرة واللاجئين.
ويرى مراقبون أن الحرب فى غزة منحت هذه الجماعات فرصة جديدة لتوسيع خطابها السياسى، عبر الربط بين دعم فلسطين وقضايا الهوية الوطنية والأمن والهجرة.
وأثار ظهور مجموعات يمينية فى شوارع لندن مخاوف من عودة التوترات التى شهدتها بريطانيا فى مراحل سابقة، عندما اندلعت مواجهات بين جماعات قومية ومتظاهرين مناهضين للعنصرية أو داعمين لقضايا الشرق الأوسط.
ولهذا نشرت الشرطة أكثر من 4 آلاف عنصر أمن فى العاصمة، وأقامت ما وصفته بـ«منطقة عازلة» بين المسيرتين، كما استخدمت طائرات مسيرة وخيّالة وكلاباً بوليسية، مع إبقاء مركبات مدرعة فى حالة جاهزية، كما فرضت قيوداً على تحركات بعض المجموعات لتجنب الاحتكاك المباشر.
وقالت الشرطة إن عدد المعتقلين بلغ 43 شخصاً فى المسيرتين، وإن مهمتها الأساسية تتمثل فى حماية حق الجميع فى التظاهر السلمي، مع التدخل ضد أى خطاب كراهية أو أعمال عنف.
وقد كشفت هذه المظاهرات عن الانقسام داخل الأحزاب السياسية البريطانية، خصوصاً حزب العمال، الذى واجه ضغوطاً من جناحه اليسارى ومن النواب المسلمين لاتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل.
كما كشفت هذه المظاهرات أيضا عن دور وسائل التواصل الاجتماعى فى تعبئة المتظاهرين من مختلف الاتجاهات، فقد استخدمت المجموعات المؤيدة لفلسطين منصات مثل إنستجرام وتيك توك وإكس لنشر صور الدمار فى غزة والدعوة للمشاركة فى المسيرات، بينما اعتمدت الجماعات اليمينية على شبكات رقمية مماثلة للتحريض ضد الهجرة والمسلمين وربط الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين بما تصفه بـ «تهديد الهوية البريطانية»، ويرى خبراء أن هذا التفاعل الرقمى ساهم فى زيادة حدة الاستقطاب السياسى داخل المجتمع البريطانى.
وتخشى السلطات البريطانية من أن تؤدى هذه الأجواء المشحونة إلى تصاعد جرائم الكراهية أو العنف السياسي، خصوصاً مع ارتفاع التوترات فى الشرق الأوسط واستمرار الحرب.
وكانت بريطانيا قد شهدت بالفعل زيادة فى الحوادث المعادية للمسلمين واليهود منذ بدء الحرب، بحسب بيانات الشرطة ومنظمات المجتمع المدنى.
ويرى محللون أن صعود الاحتجاجات اليمينية بالتزامن مع المسيرات المؤيدة لفلسطين يكشف عن أزمة أعمق داخل المجتمع البريطانى تتعلق بالهوية والانتماء ومستقبل التعددية الثقافية، فمن جهة، تؤكد المظاهرات المؤيدة لغزة قوة الحضور السياسى للجاليات العربية والإسلامية وقدرتها على الحشد والتأثير فى النقاش العام، ومن جهة أخرى، تستغل الجماعات اليمينية هذه التحركات لتغذية خطاب قومى يعتبر أن بريطانيا تفقد هويتها التقليدية.. كما يضع هذا المشهد الحكومة البريطانية أمام تحديات معقدة، فهى تحاول الحفاظ على الأمن ومنع العنف، وفى الوقت نفسه تواجه ضغوطاً سياسية وإعلامية متناقضة فبينما يطالب البعض بحماية الحق فى الاحتجاج والتضامن مع الفلسطينيين، يدعو آخرون إلى فرض قيود أكثر صرامة على المظاهرات التى يعتبرونها مثيرة للتوتر والانقسام.
وفى النهاية، تبدو شوارع لندن اليوم مرآة للتوترات العالمية والمحلية فى آن واحد، فالحرب فى غزة لم تؤثر فقط على الشرق الأوسط، بل أعادت أيضاً فتح نقاشات قديمة داخل أوروبا حول الهوية والهجرة والعنصرية وحرية التعبير.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







