كتبت آمال ربيع:
قبل آلاف السنين، كان أجدادنا الفراعنة يقفون أمام نبات مائي ينمو على ضفاف النيل، يقطعون سيقانه ويصنعون منها أول ورق عرفه التاريخ ليدونوا عليه أسرار حضارتهم، مرت القرون، واختفت هذه الحرفة من وادي النيل، لكنها لم تمت، اختارت أن تولد من جديد في بقعة صغيرة بمحافظة الشرقية تدعى "قرية القراموص".
حين تطأ قدمك أرض هذه القرية التابعة لمركز أبو كبير، لن تجد المشهد الريفي العادي، هنا لا يزرع الفلاحون القمح أو الذرة، بل تفترش أراضيها البالغة 500 فدان سجادة خضراء من "نبات البردي"، وحين تمر بين بيوتها، ستسمع أصوات المطارق والمكابس، وتشم رائحة الطين الممزوج بالتاريخ، فالقراموص ليست مجرد قرية، بل هي "ورشة عمل مفتوحة" ومصنع هائل يشارك فيه الصغير والكبير، والنساء والرجال، ليحفروا اسم قريتهم بالأسلوب الفرعوني على الخريطة السياحية العالمية.
رحلة البردي
خلف الورقة المصقولة التي يشتريها السائح، رحلة طويلة وشاقة تتوارثها عائلات القرية أبا عن جد، وتعتمد في كل خطواتها على الأيدي العاملة، حيث تبدأ الرحلة بجمع عيدان البردي من الأرض وتقطيعها بمقاسات محددة "غالباً حول 120 سم" بحسب طول العود، ثم التشريخ "سر الصنعة" حيث تشق السيقان طولياً إلى شرائح رفيعة جداً ومتساوية، وهي مرحلة صعبة تحتاج ليد حساسة ودقيقة لأنها أساس جودة الورقة
بعد ذلك تأتي مرحلة التبتيس والطهي، حيث تغمر هذه الشرائح في أحواض مياه مضاف إليها "البوتاس" لتليين الألياف الخشنة وإزالة المواد الصمغية، ثم تعالج بالكلور لتوحيد لونها وجعلها ناصعة، ثم الكرولة حيث ترص الشرائح في طبقتين؛ الأولى أفقية والثانية رأسية فوقها.
اقرأ أيضا|إنشاء قرية نبات البردي دعمًا للسياحة الريفية في الشرقية
ويعد هذا التقاطع الهندسي البسيط هو السر وراء متانة ورق البردي الذي يعيش لآلاف السنين، ثم الكبس والتجفيف حيث توضع الأوراق المتقاطعة تحت مكابس حديدية ضخمة لطرد المياه منها، ثم تُفصل بطبقات من القماش والكرتون لتمتص الرطوبة تماماً حتى تجف.
ويأتي بعد ذلك دور اللمسة الفنية بعد أن تصبح الورقة جاهزة، يأتي دور الفنانين لطباعة ورسم المشاهد الفرعونية والقصص التاريخية بألوان زاهية، لتتحول الورقة الخام إلى لوحة فنية تبهر العالم، وسر تميز القراموص الاعتماد الكامل على اليد البشرية، والحفاظ على الطريقة الفرعونية القديمة مع إضافة لمسات تلوين عصرية تناسب أذواق العصر.
نبات الفراعنة
نجاح القراموص في إحياء هذه الحرفة ليس مصادفة؛ فالمنطقة المحيطة بها في "أبو كبير" تنام على بحر من التاريخ، فقد كانت قديماً منطقة دفاعية تحمي حدود مصر الشرقية، وتقع بالقرب من قرية "هربيط" (مركز عبادة الإله حورس قديماً)، ومنطقة "أبو ياسين" التي عُثر فيها على توابيت الثيران المقدسة، هذا المرجع التاريخي جعل التربة والناس هنا مهيأين بالفطرة لاستقبال نبات الفراعنة القديم.
أصوات من قلب الورش
داخل بيوت القراموص، تتحدث الأيدي العاملة، ولكل عامل حكاية: يقول محمود عيد وهو يجمع المحصول "هذه الزراعة هي حياتنا والمهنة الوحيدة التي نعرفها ونعيش عليها، نقطع الأعواد ونجهزها ونحن نشعر أننا نحمل أمانة أجدادنا".
أما سماح محمد الشبراوي "طالبة في كلية الشريعة"، فتجلس بجوار والدتها وتعمل بمهارة فائقة قائلة "في قريتنا، لا مكان للخجل من العمل؛ الكل يعمل، رجالاً ونساء وطالبات جامعيات، أنا وأمي نتولى مرحلة (التشريخ)؛ نربط خيطاً بلاستيكياً بسيطاً بين شجرة وقطعة خشب ونستخدمه كسكين حاد لشق الأعواد بسرعة ودقة".
وتلتقط والدتها (أم سماح) خيط الحديث بابتسامة رضا "نستيقظ مع آذان الفجر، نرعى المواشي ونقضي طلبات البيوت وتربية الأولاد، ثم نجلس معاً لـ (كرولة) البردي وتجهيزه " في البداية كنت أخطئ، لكن اليوم يدي تحفظ المقاسات بالمليمتر"
وعن قسوة المهنة في الشتاء، تروي كريمة عبد الفتاح إبراهيم "في البرد القارس تتجمد أيدينا وتسيل منها الدماء أحياناً بسبب خشونة الألياف والمياه، لكنها مهنتنا وأكل عيشنا الذي نحبه، نضع الشرائح في أحواض البوتاس والكلور ثم نكبسها، ولا نرتاح حتى نراها أوراقاً جاهزة للتصدير ترفع اسم مصر".
ويوضح محمد حسان "متخصص الطباعة والتلوين"بعد طباعة الرسمة، نبدأ التلوين تماماً كما تركها الفراعنة في المقابر؛ نضع الأبيض أولاً، ثم الذهبي، ثم ألوان البشرة، وبعدها التظليل ليظهر الجسم حياً ومجسماً، الخطأ هنا ممنوع لأن الورقة مكلفة ولا تحتمل الهدر".
ويختتم عبد الحكيم هاشم "رسام البردي" القصة برؤية اقتصادية "القراموص اليوم مجتمع مكتف ذاتياً، الحرفة حمت شبابنا من البطالة والهجرة للمدن، السائح الأجنبي يتهافت على (الهاند ميد)، ونحن نصنع لوحات ضخمة تصل لـ 6 أمتار للفنادق الكبرى، وأخرى صغيرة لتزيين البيوت، البردي فتح بيوت القرية كلها".
"رغم هذا الإبداع، تواجه القرية عقبات صعبة؛ مثل ارتفاع أسعار المواد الكيميائية، وضعف التسويق عبر الإنترنت، ومنافسة المنتجات المقلدة الرخيصة، ولأنها حرفة لا تعوض، تسعى مصر اليوم وبقوة لإدراج "صناعة ورق البردي بالقراموص" ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو، تحت بند "الصون العاجل" كحرفة مهددة بالاندثار.






«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







