ميناء الحج والتجارة.. وثيقة نادرة تعيد إحياء تاريخ "عيذاب"

وثيقة نادرة
وثيقة نادرة



 

تكشف وثيقة تاريخية نادرة تعود إلى العصر الفاطمي أو الأيوبي عن المكانة الاستراتيجية التي تمتع بها ميناء عيذاب على ساحل البحر الأحمر، مؤكدة دوره المحوري كمركز رئيسي لخدمة الحجاج والتجارة الدولية خلال العصور الإسلامية الوسطى، حيث تأتي هذه الوثيقة لتدعم الاكتشافات الأثرية الحديثة التي أعادت تسليط الضوء على أحد أهم الموانئ التاريخية المصرية، والذي ظل لعقود طويلة حلقة وصل رئيسية بين مصر وشبه الجزيرة العربية وشرق إفريقيا وبلاد الشرق الأقصى.

 

 

- أهمية استراتيجية والتجارية لميناء عيذاب

 

من جانبه، كشف خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، عن وثيقة تاريخية نادرة تؤكد الأهمية الاستراتيجية والتجارية لميناء عيذاب المصري، أحد أبرز موانئ البحر الأحمر في العصور الإسلامية الوسطى.

 

وتسلط الوثيقة الضوء على الدور الذي لعبه الميناء في خدمة الحجاج والتجارة الدولية، كما تدعم نتائج الاكتشافات الأثرية الحديثة التي أعادت عيذاب إلى واجهة الاهتمام العلمي والتاريخي.

 

- وثيقة تاريخية تؤكد ازدهار ميناء عيذاب

 

أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن الوثيقة، التي أرسلها إليه الأثري تامر العراقي عضو البعثة الأثرية المكتشفة لميناء عيذاب، تحمل الرقم (T-S NS 321.23)، وهي منشورة ضمن مشروع جامعة برينستون لتوثيق البرديات العربية.

وتتضمن الوثيقة رسالة تعود إلى العصر الفاطمي أو الأيوبي، كتبها تاجر يقيم في ميناء عيذاب إلى أسرته في الفسطاط، يطمئنهم فيها على سلامة وصوله إلى الميناء، ويشير إلى نشاطه في التجارة البحرية مع سواحل الهند والجزيرة العربية.

كما يذكر التاجر في رسالته أنه لقي معاملة حسنة في الميناء، وأنه سدد خمسة دنانير يُرجح أنها كانت رسومًا جمركية، وهو ما يعكس التنظيم الإداري والتجاري الذي كان يتمتع به الميناء خلال تلك الفترة.



- إشادة بالبعثة الأثرية ومطالبة بتكريمها

 

وتقدم الدكتور ريحان بخالص الشكر والتقدير لأعضاء البعثة الأثرية التي حققت ما وصفه بأهم اكتشاف أثري خلال عام 2026، لما يحمله من دلالات ثقافية وأثرية وتاريخية واستراتيجية، مشيرًا إلى أن فريق العمل ضم الأستاذة إيمان حنفي مدير عام المنطقة، والأستاذ محمد أبو الوفا رئيس البعثة، إلى جانب الأثريين تامر العراقي وأيمن عادل وأشرف كامل، والإداري فتحي أبو المعاطي.

وأكد أن هذا الكشف الأثري المتفرد يستحق تكريمًا رسميًا تقديرًا للجهود العلمية التي أسفرت عن إعادة اكتشاف أحد أهم الموانئ التاريخية المصرية على البحر الأحمر.

 

- موقع الكشف وطبيعة المنشآت المكتشفة

 

وأوضح الدكتور ريحان أن موقع الكشف يقع على بعد 23 كيلومترًا شمال مدينة حلايب، و17 كيلومترًا جنوب قرية أبو رماد. وبيّن أن المكتشفات تمثل الفرضة البحرية الخاصة بميناء عيذاب، أي المنطقة الخدمية المرتبطة بالميناء، والتي كانت تضم صهاريج للمياه لتوفير احتياجات الحجاج، بالإضافة إلى مكاتب إدارية وسكن للعاملين ومخازن للبضائع.

وأشار إلى أن المباني شُيدت باستخدام الحجر الرملي والحجر المرجاني المستخرج من البيئة المحلية، موضحًا أن الأحجار المرجانية تتكون من قواقع وترسيبات بحرية ذات أشكال غير منتظمة، وقد استُخدمت على نطاق واسع في الموانئ المطلة على البحر الأحمر، مثل ميناء الأنباط بمدينة دهب وميناء الطور المملوكي.

 

- اللقى الأثرية تكشف تاريخ الموقع

 

لفت الدكتور ريحان إلى أن اللقى الأثرية المستخرجة من الموقع تضمنت كسرًا فخارية تعود إلى العصر الفاطمي بين عامي 969 و1171م، مشيرًا إلى عدم وجود مبانٍ أقدم من هذه الفترة في المنطقة المكتشفة.

وأضاف أن الرحالة الفارسي ناصر خسرو زار عيذاب عام 1050م خلال العصر الفاطمي، وذكر في كتاباته أنها كانت تابعة لسلطان مصر ويقطنها نحو 500 شخص، كما أشار إلى تحصيل المكوس أو الرسوم الجمركية على البضائع القادمة من اليمن والحبشة وزنجبار.
كما عُثر بالموقع على قطع من السيلادون الصيني، وهو أحد أشهر أنواع الخزف المرتبط بالبلاط الإمبراطوري الصيني في عهد أسرة يوان.

وأوضح أن هذا النوع من الخزف انتشر في مصر خلال العصر المملوكي، وقد سبق العثور عليه أيضًا في ميناء الطور بسيناء، مما يؤكد قوة العلاقات التجارية بين مصر والصين وبلدان جنوب شرق آسيا خلال تلك الحقبة.



- عيذاب.. حلقة الوصل بين الشرق والغرب

 

وأكد الدكتور ريحان أن أهمية الكشف تتجلى في الموقع الاستراتيجي الفريد لميناء عيذاب داخل الحدود المصرية، حيث يقابله غربًا موقع أبو سمبل على نهر النيل، بينما تقع مدينة رابغ السعودية شرقًا على ساحل البحر الأحمر على بعد نحو 130 كيلومترًا شمال جدة.
وأشار إلى أن المنطقة ترتبط أيضًا بذكرى الشيخ أبي الحسن الشاذلي الذي توفي عام 1258م أثناء توجهه إلى الحج عبر ميناء عيذاب.

وأوضح أن عيذاب كانت المرسى الرئيسي لكل من أراد أداء فريضة الحج من مصر وبلاد إفريقيا، كما كانت تستقبل السفن التجارية القادمة من عدن، حيث تُنقل البضائع بواسطة الجمال إلى مدينة قوص، ومنها عبر نهر النيل إلى القاهرة.

 

- 215 عامًا من خدمة الحج والتجارة

 

وبيّن الدكتور ريحان أن ميناء عيذاب ارتبط بعلاقات تجارية نشطة مع ميناء جدة، وظل لمدة 215 عامًا من أهم المراكز التجارية والحجية في المنطقة. وكانت تتجمع فيه تجارة آسيا وشرق إفريقيا قبل انتقالها إلى حوض البحر المتوسط، ما جعله محطة اقتصادية رئيسية ضمن شبكات التجارة العالمية في العصور الوسطى.


وأضاف أن الميناء تحول كذلك إلى مركز مهم لبناء وصناعة السفن، حيث كان يتم استيراد الأخشاب خصيصًا لهذا الغرض، مما عزز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية.

- دور عسكري لحماية حدود مصر

وأوضح الدكتور ريحان أن عيذاب لم تكن مجرد ميناء تجاري، بل أدت دورًا عسكريًا مهمًا خلال العصر المملوكي.
فقد ضمت أسطولًا بحريًا مخصصًا لحماية حركة التجارة، وكانت مجهزة بالجند والسلاح لتأمين الحدود الجنوبية الشرقية لمصر وحماية طرق التجارة العابرة للبحر الأحمر.
وأشار إلى أن الرحالة الأندلسي ابن جبير زار الميناء عام 1183م، ووصفه بقوله: "أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها علاوة على مراكب الحجاج الصادرة والواردة".

وأضاف أن أهمية الميناء بدأت في التراجع بعد عام 660هـ / 1261م، عندما بدأ ميناءا الطور والسويس في أداء أدوار أكبر ضمن حركة التجارة والحج.

 

- توصيات للحفاظ على الموقع واستكمال الدراسات

 

واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن موقع عيذاب ما زال موقعًا أثريًا بكرًا يحتاج إلى أعمال تنقيب طويلة المدى قد تمتد إلى عشرين عامًا على الأقل.

ودعا إلى استكمال أعمال الحفائر والدراسات العلمية الخاصة بالمكتشفات الأثرية، وإجراء مسوحات أثرية شاملة للمنطقة الممتدة من حلايب إلى شلاتين.

كما أوصى بإنشاء مركز علمي متخصص ومكتبة كبرى بالموقع لدعم الدراسات الأثرية والتاريخية، وتوثيق ونشر نتائج الاكتشافات علميًا، بما يسهم في إبراز القيمة الحضارية والتاريخية لميناء عيذاب ودوره المحوري في تاريخ مصر والبحر الأحمر.