تمر السنوات وتتبدل الملامح، لكن الذاكرة الوطنية تظل الحارس الأمين لحقائق أحداث تاريخية جسام، وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا على نهاية حكم جماعة الإخوان، لا يزال السؤال مشروعًا: ماذا كان سيحدث لمصر لو استمروا؟، والإجابة ليست تنجيمًا سياسيًا، بل قراءة واقعية لسيناريو مرعب كاد يعصف بمصر، وتحويلها إلى دولة منهارة، لولا عناية الله ووعى شعبها.
ونظرة على فترة حكمهم، تكشف بوضوح أن مصر كانت على أعتاب دخول نفق مظلم من الاستقطاب الدينى والسياسى، وإنتاج مشاهد من العنف والتناحر فى أبشع صورها، وكانت مساجدنا الآمنة على أعتاب التحول، من دور للعبادة والسكينة، إلى بؤر للشحن والتحريض والكراهية، والمدارس إلى معامل لتفريخ المتطرفين.
فى ذلك المشهد القاتم، لم يكن هناك مساحة للاختلاف، فكل خلاف سياسى مع الجماعة، كان يُصنّف تلقائيًا كخروج عن الدين، حيث احتكروا صكوك الوطنية والإيمان، وصار الوطن فى أدبياتهم مجرد أداة لخدمة التنظيم.
ونحن نتأمل هذا التاريخ القريب، يبرز السؤال: كيف نعمق مفهوم الدولة لمنع هذه الجماعات من العودة إلى المشهد مرة أخرى؟، الإجابة تكمن فى الحكمة الأزلية «الوقاية خير من العلاج».. تحصين المجتمع، والاستمرار فى تجفيف منابع تلك الأفكار من جذورها، وكشف زيف خطابهم التضليلى، ويجب ألا تستفيد هذه الجماعات من ظاهرة النسيان التى تصيب الشعوب بعد زوال الخطر، فهم حتى الآن يتربصون باللحظات الصعبة، لاستثمار أزمات الناس الاقتصادية والاجتماعية، لنشر الكراهية وبث الفتنة.
يجب الاستمرار فى ترسيخ المفاهيم الصحيحة، وأهمها أن الدولة القوية هى الحصن الذى يحمى الدين من التجارة والابتذال السياسى، وأن يعيش الجميع فى وطن واحد، متساوين فى الحقوق والواجبات، بلا تمييز قائم على دين أو فكر أو جنس، ولا استثناء لفئة على حساب أخرى.
مصر فى أمس الحاجة إلى تذكير الناس دائمًا بمبدأ المواطنة، فلا عدالة حقيقية إذا كان الإنسان يشعر بأنه أقل شأنًا بسبب دينه، وهذا الترسيخ يبدأ من التعليم، ومناهج تزرع الانتماء المطلق للوطن، لا الطائفة أو الجماعة أو الحزب.
لقد توقفت مؤقتًا لعبة التوظيف السياسى للدين، ويجب أن تكون الأديان فى مكانها الطبيعى والسامى، فى القلب والضمير، مرشدًا أخلاقيًا وروحيًا، لا شعارًا انتخابيًا أو أداة للسيطرة، وعدم السماح بعودة فتاوى التكفير والتخوين، التى استباحت الدماء والعقول، فهى ليست معركة عبثية تُدار باسم السماء لإقصاء البشر.
لولا عناية المولى ويقظة المصريين فى الثلاثين من يونيو، لم تكن مصر كما هى الآن، بل المرشح الأول للتحول إلى نموذج شبيه بالدول المحيطة بنا التى مزقتها الطائفية، وانزلقت إلى مستنقع الفوضى، وتحولت إلى دويلات داخل الدولة الواحدة.
إنها الذاكرة الوطنية التى يجب أن تظل حية، والدرس الذى يجب ألا ننساه أبدًا، إنقاذ وطن كاد يضيع، ويتفتت بين أيدى جماعة، لا تفهم المعنى السامى لكلمة «وطن».

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







