أفكار متقاطعة

العيدية و«الكاش»

سليمان قناوى
سليمان قناوى


يبدع المصريون دوما بأفكار خارقة للمألوفة لمحاولة التأقلم مع الظروف الطارئة. ليلة وقفة عرفات اصطف طابور أمام ماكينات الصرف الآلى بمول أركاديا، القليل وقف ليودع أموالا وأكثرهم يريد السحب. كانت الماكينات مثل فؤاد أم موسى فارغة. على الفور اشتغل العقل المصرى بفكرة ذكية للحصول على «الكاش». مقاصة ابتكار اللحظة. بدأ البعض إقناع كل من يريد إيداع أموال بالماكينة أن يعطيها لمن يريد «الكاش» على أن يحول الأخير له قيمة المبلغ عبر الانستاباى. كانت الفكرة عفو الخاطر ووليدة الوقت لظهور أسرع بنك إنسانى أنقذ كل من يريد نقوده كاشا. وتمت بنجاح أكثر من مقاصة بهذا الشكل: استلام الكاش باليمين وتحويل المبلغ بالانستاباى بالشمال. يظهر ذلك تمتع المصريين بمتلازمة «انتيفرجيليتى» (أى يكون الإنسان مضادًا للهشاشة) بما يعنى أن المصرى مقاوم لأى صدمة مثل أزمة العجز عن توفر الكاش فى الماكينات بينما يكون الناس فى أشد الحاجة إليه للوفاء بالعيديات التى لا بديل فيها عن الكاش، فلن تستطيع أن تقول لابنك أو بنتك أنك ستحول له العيدية بالانستاباى لأنها لن تفيده لقضاء فسحة العيد أو شراء تذكرة السينما. وهذه المتلازمة تمكنك من الخروج من صدمة عدم توفر الكاش بشكل يجعلك أقوى وهو تحقيق أمنيتك بالعودة منفوخ الجيب. ويصف علماء النفس أيضا هذه القدرة بالمرونة النفسية التى تجعلك قادرا على التكيف مع الظروف الطارئة، وتمكنك من استعادة توازنك بعد صدمة عدم توفر الكاش، وابتكار وسائل فورية لمواجهة الأزمة وأخيرا التعلم من التجارب السلبية. كنت وسط الناس وتابعت حكايات السحب من اليد والإيداع فى اليد ولاحظت قدرة المصريين على التأقلم والمرونة لمواجهة كل الظروف. وشاهدت عن قرب فرحة الطرفين: المودع فى اليد بدلا من الماكينة والمستلم الكاش دون سماع «نأسف لعدم إتمام العملية». فقد تحقق للطرفين كل ما أرادا. وكانت فرحة حامل الكاش أكبر فهو يحمل ما سيسعد به أولاده من عيديات وما سيدخله من سعادة على الفقراء. أدام الله الود والرحمة بين المصريين.