■ بقلم: محمد ياسين
قديماً كان المانشيت الصحفي يملك هيبة تقترب من القداسة، يدخل البيوت مع الصباح، ويقرأه الأب بصوت مسموع، ويناقشه الجيران على المقهى. لكن مع تكرار الوعود التى تشبه السراب، نشأت تلك الحالة الساخرة فى وجدان المواطن، وتحول المانشيت النارى إلى مرادف للوعود المطاطة التى تولد لتموت فى نفس اليوم.
كان المسئول يعلم أن ما يقوله اليوم سيدفنه غبار الأرشيف غدا، وأن ذاكرة المواطن مثقوبة بفعل تراكم الأزمات، فكانت التصريحات الوردية تخرج كمسكنات آنية، تصاغ بعبارات فضفاضة، ولكن اليوم لم يعد لكلمات التخدير مكان مع دخولنا العصر الرقمى، ولم يكن التغيير مجرد انتقال من الورق إلى الشاشات، بل كان زلزالا فى مفهوم المحاسبة.
اليوم، الكلمة التى تخرج من فم أى مسئول لاتذهب إلى الأرشيف، بل تذهب إلى السحابة الإلكترونية، تحفظ كفيديو أو «سكرين شوت» ينتظر لحظة الحساب، لقد انتهى زمن الذاكرة الضعيفة، وبات المواطن يملك أرشيفه الخاص فى جيبه، يستدعيه بكبسة زر ليقارن بين ما قيل وما نفذ.
من هنا يمكن فهم التحول الذى تشهده مصر فى السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الدولة تكتفى بإعلان المشروعات أو الحديث عن خطط التنمية، بل أصبحت هناك مشروعات عملاقة تنفذ على الأرض، مهما اختلف الناس حول تفاصيلها أو تكلفتها أو أولوياتها، فالفارق الجوهرى بين «كلام الجرايد» قديمًا وما يحدث اليوم أن الملفات خرجت من نطاق التصريحات إلى نطاق التنفيذ الفعلى.
ولعل مشروع «الدلتا الجديدة» يمثل نموذجا واضحا لهذه الفكرة، فقبل سنوات كان الحديث عن استصلاح ملايين الأفدنة، وإنشاء مجتمعات زراعية متكاملة، وتوسيع الرقعة الزراعية فى دولة تعانى ندرة المياه وزيادة السكان، يبدو للبعض مجرد عنوان كبير يصلح للصحف والبرامج التليفزيونية، لكن ما يحدث الآن على الأرض يعكس رؤية مختلفة: شبكات طرق، ومحاور، ومحطات معالجة مياه عملاقة، وأراضى تدخل الخدمة الزراعية تدريجيا فى مشروع يعد من أكبر مشروعات التوسع الزراعى فى تاريخ مصر الحديث.
المهم هنا ليس فقط حجم المشروع، بل الرسالة التى يحملها، فالدولة التى تنفذ مشروعا بهذا الحجم، إنما تحاول أن تؤكد أن زمن الاكتفاء بالشعارات يجب أن ينتهى، وأن الرهان الحقيقى أصبح على الإنجاز الذى تحقق، لا على الوعود الفضفاضة بلا سقف زمنى أو نتائج واضحة.
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







