أشرف عبدالغني يكتب: الغارمات.. والقروض الاستهلاكية

أشرف عبدالغني
أشرف عبدالغني


■ بقلم: أشرف عبدالغني

في عيد الأضحى من كل عام يصدر عفو رئاسى وتُفتح أبواب السجون للإفراج عن غارمات أوقعهن الفقر والجهل وراء القضبان.. وترتسم البسمة على وجوه شاحبة.. لكن تمر الأيام وتتكرر المأساة وتدخل غارمات جديدات إلى السجن، لأننا لا نعالج المشكلة من الجذور.. وتبقى قضية الغارمات.. قضية وطن.

والغارمات هن السيدات اللاتى يدخلن السجن بسبب توقيع إيصالات أمانة للتجار بعد الاضطرار إلى الاستدانة لتجهيز الأبناء، أو توفير مصاريف العلاج أو تدبير النفقات المعيشية أو تغطية الديون، ولا يستطعن السداد فى الوقت المحدد مما يتسبب فى دخولهن السجن.

وهناك ٣ أسباب رئيسية لظاهرة الغارمات وهى:

- تجهيز الأبناء: حيث تقوم الأم بشراء مستلزمات تجهيز الأبناء من خلال معارض بنظام القسط الشهرى، وتحدث مبالغة فى التجهيزات للتفاخر والسلوكيات الخاطئة، وفى النهاية تعجز الأم عن السداد ويصل الأمر إلى القضاء. 

- حرق البضاعة : حيث تقوم السيدة بشراء سلعة بثمن مبالغ فيه مقابل قسط شهرى، ثم تقوم بحرق البضاعة أى بيعها بثمن منخفض، للاستفادة من السيولة النقدية فى توفير احتياجات عاجلة، وتعجز بعد ذلك عن سداد الأقساط و يصل الأمر إلى القضاء. 

- الضمانة: حيث تقوم السيدة بضمان أحد الأقارب فى الأقساط الشهرية، وحين يتعثر الطرف الأول عن السداد يصير الضامن غارما ويصل الأمر إلى القضاء. 

ولا توجد أرقام دقيقة وموثقة عن أعداد الغارمات، ولكن المنظمات الحقوقية تقول إن الغارمات يمثلن ٣٥% من إجمالى السجينات فى مصر، وأن هناك ٦ آلاف سيدة يدخلن سنويا تحت بند الغارمات بسبب الفقر وغلاء المعيشة وقلة الوعى الاجتماعى وعدم علاج المشكلة من الجذور.

ودراسة حالات الغارمات توضح أن ٥٠% منهن من المطلقات و٢٥% من الأرامل، وأن نسبة الأمية بين الغارمات تصل إلى ٣٣% فى حين أن نسبة من يعرفن القراءة والكتابة ٢٩%، وحين يتحالف الفقر مع الجهل تصبح النتيجة مروعة. 

وهناك عدة حلول مقترحة للقضاء على المشكلة من الجذور من بينها:

- إجراء تعديل تشريعى لاستبدال عقوبة الغارمات وإحالتها من الجنح إلى المحاكم المدنية، واستبدال عقوبة السجن بالخدمة المدنية، وإلغاء قانونية إيصال الأمانة الموقع على بياض وعدم اعتباره صكا قانونيا للمديونية.

- توفير قنوات للاقتراض الآمن والميسر للأسر الأشد احتياجا، لمنع وقوع الفقراء تحت طائلة المستغلين وسماسرة القروض.

- تنفيذ حملات توعية تشارك فيها المدارس والجوامع والكنائس للتوعية بمخاطر التوقيع على إيصالات الأمانة التى تعد السبب الرئيسى للوقوع فى الغرم. 

- توفير التمويل ودراسات الجدوى للغارمات، للقيام بمشروعات صغيرة ومتناهية الصغر عقب الخروج من السجن، لتجفيف منابع الغرم.

- رسم خريطة تحدد المناطق الأشد فقرا فى مصر التى تكون منبعا للغارمات، واستهدافها ببرامج حقيقية لرفع مستوى المعيشة.

كلمة أخيرة: الغارمات هن الشكل الأصغر والأبسط لمشكلة أكبر تهدد الاقتصاد القومى، وهى مشكلة القروض الاستهلاكية.

ويعرف خبراء الاقتصاد القروض الاستهلاكية بأنها تمويلات نقدية تقدمها البنوك وشركات التمويل للأفراد لشراء الاحتياجات الشخصية والسلع الاستهلاكية مثل الأجهزة الإلكترونية والسيارات والأثاث، ولا تستخدم لأغراض الاستثمار التجارى وبالتالى لا تحقق عائدا.

المشكلة أن حجم القروض الاستهلاكية فى مصر وصل إلى ١٠٠ مليار جنيه بنهاية عام ٢٠٢٥ مع ارتفاع معدلات الفقر وتدنى الرواتب والأجور وارتفاع شهية الاستهلاك، مما يعنى أن سداد الدين وفوائده تحول إلى جزء أساسى فى موازنة الأسرة، فى الوقت الذى تراجع فيه معدل الادخار من ١٥ إلى ١% من الناتج المحلى الإجمالى خلال ١٠ سنوات.

قضية القروض الاستهلاكية تحتاج إلى ضوابط صارمة، وتلك قضية لها كلام آخر.