الساعات الأخيرة في حياة الطفلة «لارين».. المتهمة قتلتها انتقامًا من والدتها

الضحية
الضحية


من رحم البراءة تولد أحيانًا فواجع تهز القلوب، وتكشف عن وجوه بشرية تجردت من أدنى معاني الإنسانية.

في قرية «السحالة» الهادئة بمحافظة المنيا، تحولت رحلة عودة الطفلة «لارين» ابنة الست سنوات من حضانتها إلى رحلة الموت، بعد أن قادتها براءتها إلى فخ خطة شيطانية صاغها عقل أعمته الأحقاد الدفينة، لتدفع الصغيرة حياتها ثمنًا لأمانة لم تقترف ذنبًا سوى الحفاظ عليها.

ونحن إذ ننشر في هذا التقرير التفاصيل الكاملة والكواليس غير المعلنة حول مقتل الطفلة «لارين»، نغوص في أعماق الجريمة التي بدأت بسرقة هاتف محمول وانتهت بذبح بريئة وإلقاء جثمانها في مصرف مائي، ولم يتوقف بحثنا عند رصد تفاصيل الواقعة وتحقيقات النيابة فحسب؛ بل استطلعنا رأي خبير نفسي بارز لتشريح البنية النفسية للمتهمة، والكشف عن سمات شخصيتها الإجرامية التي دفعتها لارتكاب هذه الفاجعة الباردة بدافع الانتقام الأعمى، محاولين تقديم قراءة وافية ودقيقة لواحد من أبشع الحوادث التي فجرت غضبًا وحزنًا واسعًا.

لارين، طفلة صغيرة تبلغ من العمر 6 سنوات، لا تعرف من الدنيا سوى طريق الحضانة، وألعابها البسيطة، ودفء البيت الذي تعود إليه كل يوم.. في صباح يوم السبت قبل الماضي، خرجت كعادتها مرتدية ملابسها الصغيرة وحقيبتها على ظهرها ذاهبة لحضانتها، بينما كانت أسرتها تنتظر عودتها بعد ساعات قليلة، دون أن يخطر ببال أحد أن ذلك اليوم سيكون الأخير في حياتها.

أنهت لارين يومها الدراسي داخل الحضانة بقرية السحالة التابعة لمركز أبوقرقاص بمحافظة المنيا، وغادرت المكان في موعدها المعتاد، والتقت بإحدى العاملات بالحضانة لتوصيلها حتى محيط منزل أسرتها، قبل أن تتركها تستكمل الأمتار الأخيرة بمفردها، كما اعتادت الصغيرة يوميًا، لكن هذه المرة، لم تصل لارين إلى باب منزلها.

مرت الدقائق ثقيلة، ثم تحولت إلى ساعات من القلق والرعب، بعدما اكتشفت الأسرة اختفاء الطفلة.

خرج الأهالي يبحثون عنها في شوارع القرية والطرق المجاورة، وانتشرت صورها بين الهواتف وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بينما كانت والدتها تعيش أصعب لحظات عمرها، تتعلق بأي أمل في العثور على ابنتها.. ومع تصاعد حالة القلق، قررت الأسرة تحرير محضر بالاختفاء.

بلاغ

تلقت الأجهزة الأمنية بمحافظة المنيا إخطارًا بتغيب الطفلة، ليتحرك على الفور فريق بحث جنائي مكبر بقيادة اللواء حاتم ربيع مدير إدارة البحث الجنائي، وبإشراف اللواء حاتم حسن مساعد وزير الداخلية لأمن المنيا، لكشف غموض الواقعة وتتبع خط سير الصغيرة منذ خروجها من الحضانة، وبينما كانت القرية بأكملها تترقب خبرًا يطمئن القلوب، جاءت الصدمة القاسية التي حولت الخوف إلى فاجعة؛ إذ عثر الأهالي على جثمان الطفلة داخل جوال ملقى بأحد المصارف المائية القريبة من القرية، في مشهد مأساوي أصاب الجميع بحالة من الذهول والحزن، خاصة بعدما كشفت المعاينة الأولية وجود آثار ذبح على الجثمان.

ومنذ اللحظة الأولى، بدأت أجهزة البحث الجنائي في تفريغ كاميرات المراقبة وتتبع كل التحركات الأخيرة للطفلة، حتى قادت التحريات إلى دائرة ضيقة من الاشتباه، بعد الكشف عن وجود خلافات سابقة بين أسرة الطفلة وإحدى السيدات بالقرية، على خلفية واقعة سرقة هاتف محمول.

ومع تكثيف التحريات، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط السيدة وآخرين لاستجوابهم بشأن الواقعة، خاصة مع العثور على الجثمان بالقرب من منزل إحدى المشتبه بهن.

ومن خلال جمع المعلومات ومراجعة التحركات وتتبع الخيوط، تمكن رجال المباحث من الوصول إلى المتهمة، التي ألقي القبض عليها داخل محل سكنها، واعترفت خلال التحقيقات بتفاصيل الجريمة كاملة، بداية من التخطيط وحتى التخلص من الجثمان داخل مصرف مائي بعد وضعه في جوال من "الخيش".

الصدمة لم تكن فقط في الجريمة نفسها، بل في دوافعها الباردة والقاسية، قبل أن نعرف الدافع دعونا نعود بالزمن للخلف.

"فلاش باك"

والدة لارين، مثل كثير من الأمهات، تحاول أن تمنح ابنتها الصغيرة قدرًا من الأمان والاهتمام؛ اشترت لها هاتفًا، حتى تتمكن من الاطمئنان عليها أثناء ذهابها وعودتها من الحضانة، وحتى تستخدمه الصغيرة في مشاهدة مقاطع الأطفال والألعاب المناسبة لعمرها داخل المنزل، لم تكن الأم تعلم أن ذلك الهاتف سيكون الشرارة الأولى التي أشعلت مأساة ستبكي لها قرية بأكملها.

لاحظت إحدى المشرفات بالحضانة أن الطفلة تحمل هاتفًا باهظ الثمن مقارنة بعمرها، لم ترَ فيه مجرد مقتنيات لطفلة صغيرة، بل رأت فرصة للسرقة، استغلت براءة لارين، وتمكنت من الاستيلاء على الهاتف من حقيبتها دون أن تدرك الصغيرة ما حدث في البداية.

وعندما عادت إلى منزلها واكتشفت اختفاءه، دخلت في نوبة بكاء وخوف، خشية أن تغضب والدتها منها أو تعاقبها، لكن الأم تعاملت مع الموقف بحنان وهدوء، وبدأت تسأل ابنتها عما حدث حتى وصلت إلى خيوط الحقيقة، وبمواجهة الموظفة، انكشفت الواقعة، وتأكدت إدارة الحضانة من تورطها في السرقة، فقررت فصلها نهائيًا.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تحولت الواقعة إلى حديث أهل القرية، وتعرضت المرأة لفضيحة اجتماعية واسعة، بينما حاول زوجها احتواء الأزمة بتقديم هاتف جديد لأسرة الطفلة وإنهاء الخلاف بأي طريقة ممكنة.

ظن الجميع أن القصة انتهت هنا، وأن أقصى ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل، لكن ما لم يكن يعرفه أحد، أن الغضب داخل المتهمة لم يهدأ، وأن شعورها بالإهانة تحول إلى حقد دفين تجاه طفلة صغيرة لم ترتكب ذنبًا سوى أنها أخبرت والدتها بالحقيقة.

هنا تغيرت الحكاية من واقعة سرقة إلى جريمة انتقام مرعبة؛ فبحكم عملها السابق في الحضانة، كانت المتهمة تعرف جيدًا مواعيد خروج الأطفال وخط سير لارين إلى منزلها.. كانت تراقب التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد، وتحولها داخل عقلها إلى خطة شيطانية مكتملة.

وفي يوم الجريمة، ارتدت نقابًا حتى تخفي هويتها، واستقلت توك توك إلى المكان الذي تمر منه الطفلة يوميًا.

انتظرت اللحظة المناسبة، وحين اقتربت الصغيرة من منزلها بعد أن تركتها المشرفة المرافقة للأطفال، استدرجتها بعيدًا.. طفلة في هذا العمر لا تعرف الخداع، ولا تدرك أن بعض البشر يمكن أن يتحولوا إلى وحوش حين يعمي الطمع والحقد قلوبهم، لم تصرخ لارين لأنها ربما لم تدرك الخطر إلا متأخرًا، وربما ظنت أنها أمام شخص تعرفه ولن يؤذيها، لكن النهاية كانت مأساوية بصورة تفوق الوصف، فأنهت المتهمة حياتها وتخلصت من جثتها داخل المصرف فقط لتنتقم من والدة لارين.

واعترفت المتهمة بكل شيء أمام النيابة قائلة: "أيوه قتلتها انتقاما من والدتها لأنها اتهمتني بالسرقة وكانت سببا في فصلي من العمل وشوهت صورتي في القرية"، لتأمر النيابة بحسبها 4 أيام على ذمة التحقيقات.

رحلت لارين قبل أن تكبر، وقبل أن تعرف شيئًا عن قسوة العالم، لكنها تركت وراءها حزنًا ثقيلًا في قلوب آلاف الناس الذين لم يعرفوها شخصيًا، لكنهم رأوا فيها صورة كل طفل بريء يستحق أن يعيش آمنًا وسط أهله.

سمات الشخصية

ولفهم الدوافع النفسية وراء الجريمة البشعة التي راحت ضحيتها طفلة بريئة، تواصلنا مع الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الاكلينيكى ورئيس قسم العلوم الإنسانية جامعة عين شمس، قال: "العديد من جرائم القتل، خاصة المرتبطة بالسلوك الانتقامي، غالبًا ما تكون مرتبطة بنمط شخصية الجاني أو بحالته النفسية والعقلية، فالمتهمة في تلك القضية بدأت بجريمة سرقة، لكن مع انكشاف أمرها ارتكبت جريمة أكثر بشاعة بقتل طفلة بريئة انتقامًا من والدتها، وهو ما يكشف عن أحد أنماط اضطرابات الشخصية المعروفة باضطراب الشخصية المضادة للمجتمع".

وأوضح: "المصابون بهذا الاضطراب يتسمون بالعداء الشديد تجاه المجتمع، ويمتلكون نزعات انتقامية تجاه الأشخاص أصحاب القيم الأخلاقية والدينية المتزنة، كما أنهم معروفون بالكذب، والسلوك العدائي والمنحرف، وعدم احترام القوانين أو التقاليد والأعراف المجتمعية، كما أن أصحاب هذا الاضطراب يتمتعون بقدرة كبيرة على التمثيل وخداع الآخرين، ويجيدون اختلاق الحجج الكاذبة لإقناع من حولهم، كما أنهم يفتقدون التعاطف مع ضحاياهم، وغالبًا ما يرتدون قناعًا مزيفًا يصعب معه اكتشاف حقيقتهم بسهولة".

وأكد قائلا: "هذا النمط من الاضطرابات يظهر لدى بعض الكذابين والمحتالين وأصحاب السلوك الإجرامي والمنحرف، فاضطراب الشخصية المضادة للمجتمع يصنف ضمن اضطرابات الشخصية، لكنه لا يعفي صاحبه من المسئولية القانونية، لأن المصاب به يكون كامل الأهلية ومدركًا لأفعاله".

وشدد دكتور أحمد فخري على أهمية إجراء تقييم نفسي شامل لبعض الفئات التي تتعامل بشكل مباشر مع الأطفال وكبار السن والمرضى، مثل العاملين في الحضانات، ودور الأيتام، والمدارس، والمؤسسات الخاصة برعاية الفئات الأكثر احتياجًا، وذلك للحد من وقوع مثل هذه الجرائم.

اقرأ  أيضا: كشف ملابسات العثور على جثة طفلة داخل جوال بمصرف مائي في المنيا

;