قلب مفتوح

حرب الفوضى

هشام عطية
هشام عطية


كل الحروب، مهما اشتد وطيسها، تخمد نيرانها وتلقى بأثقالها، إلا حربا واحدة لا تهدأ ولا تنتهي، بل تتجدد فصولها كل صباح، وتشتد ضراوتها «حرب الفوضى» فى شوارعنا. حرب لا هدنة فيها، تستنزف أعصاب المواطن وصحته وإنتاجيته وحقه الطبيعى فى السكينة.

فى شوارعنا، تصاهر الفوضى العشوائية والضجيج، ملايين المركبات من «التوك توك» و«التروسيكلات» التى تصل، وفق تقديرات غير رسمية، بين 5 إلى 6 ملايين مركبة.

قتال يومى بلا هوادة من هذه الجيوش الجرارة من المركبات العشوائية غير المُرخصة تحتل شوارعنا، تغتصب أمننا، وتسرق راحتنا.

لم تعد مجرد وسيلة مواصلات عشوائية، بل آلة لتشويه الحضارة وخلق أجيال كاملة من العاطلين والخارجين على القانون. غياب الرقابة عنها حول بعضها إلى أوكار متحركة للبلطجة وترويج المخدرات واستقطاب الأطفال خارج التعليم وسوق العمل.

على جبهة أخرى لا تقل ضراوة، تشن الميكروفونات العشوائية هجوماً على طبلة الأذن، سواء تلك المثبتة فى زوايا المساجد التى تتحول إلى أدوات إزعاج يومية متكررة. المشكلة هنا ليست فى الشعائر الدينية، بل فى غياب الضوابط واحترام حق الناس فى الراحة، فالصوت حين يتحول إلى إيذاء يومى يفقد رسالته الروحية ويتحول إلى عبء نفسى وعصبى. 

غارة أخرى من تلك الميكروفونات التى يحملها الباعة الجائلون، وكأن إزعاج الغير بات حقاً يكفله الدستور.

هذا الصخب المتواصل يقتحم المنازل، يسرق النوم من الجفون، ويشتت التركيز، ويحول الحياة إلى حلبة ضجيج لا تُطاق.

أما الغارة الأشد فتكا، فتنطلق من التروسيكلات المليئة ببراميل قذرة تجمع فيها أطناناً من الزيت المُستعمل. هذه المافيا تعيد تدويره لبيعه للمصريين مجدداً بأسعار خيالية، متاجرة بصحتهم وأرواحهم، ومسببة أمراضاً أهونها السرطان.

وتشير تقديرات ودراسات إلى أن متوسط الضوضاء فى القاهرة يقترب أحياناً من ٩٠ «ديسيبل»، بينما تعتبر منظمة الصحة العالمية أن التعرض المستمر لما فوق ٨٥ «ديسيبل» يشكل خطراً على السمع والصحة العصبية للبشر.

لا أدرى لماذا لا نسن تشريعاً صارماً يضع حداً لمهازل الفوضى والضوضاء فى شوارعنا؟!

فى فرنسا على سبيل المثال التحدث بصوت عالٍ فى وسائل النقل العام يُعاقب عليه بغرامة تصل إلى مائتى يورو. أما فى ألمانيا فالضوضاء خلال أوقات الراحة القانونية تصل غرامتها إلى خمسة آلاف يورو. وفى سنغافورة تغرم الضوضاء فى المترو بخمسة آلاف دولار.

فى مصر، لم تعد أزمة ضوضاء وفوضى فقط، بل قبح عام يتفشى ويتسيد على كل ما هو منظم وجميل، وذوق شعب يُنحر بسكين غياب المساءلة والقانون.

 حضارة الأمم تقاس بقدرتها على حماية الإنسان من الفوضى والضجيج ومن هذا القبح اليومي، مع ضمان حقه فى شارع منظم، وصوت مُحتمل، وحياة لا تستهلك أعصابه كل ثانية