محمود بسيونى يكتب: الأمن «الرقمى» الناجز

محمود بسيونى
محمود بسيونى


قبل 48 ساعة، ظهر أمامى مقطع «ريلز» يوثق اعتداءً وحشيًا من زوج على زوجته وطفلته فى منطقة المنتزه بالإسكندرية، بينما كان يهددها بأنها إذا أبلغت عنه أو لجأت إلى الشرطة أو القضاء فلن يُحبس، وستنتظرها «مفاجآت».. وكأنه يملك حصانة تجعله فوق القانون.

قطعًا، أصابنى هذا الفيديو ـ كما أصاب كثيرين ـ بالغضب والألم. كان المشهد صعبًا إنسانيًا، لكنه كان صعبًا أمنيًا أيضًا؛ لأنه عكس حالة من التجرؤ على القانون والاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب.

لكن لم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى وجدت صورة ذلك الزوج «منورة» الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، محققة نحو 140 ألف إعجاب، فى تأكيد واضح على حالة من الارتياح الشعبى لرؤية القانون وهو يفرض هيبته، ولرؤية هذا الزوج يُقدَّم إلى العدالة بعد أن ظن للحظة أنه بمنأى عنها.
هذه الحالة شجعت نور ابنة الفنان الراحل عامر منيب أن تشكو فى أحد التعليقات على صفحة الداخلية من مطاردة أحد الأشخاص، فردَّت عليها صفحة الوزارة بأن ترسل البيانات لتبدأ فى التحرك.

هذه النماذج وغيرها الكثير تكشف عن تغيير كبير فى الواقع الأمنى من حيث حجم ونوعية الجرائم وتطور أداء وزارة الداخلية فى المقابل؛ فهى اليوم لا تنتظر البلاغات، ولكنها تتحرك فور بث فيديو أو صور توثق جريمة أو تجاوزًا فى القانون أو اعتداءً على مواطن، حتى لو كان زوجًا ضد زوجته أو أبًا ضد ابنه.

وكان من الواضح تمامًا أن سرعة التعامل مع هذه الحالات تؤكد الاستشراف المبكر من جانب الوزارة للمتغيرات، التى طرأت على المجتمع، وانتقال ساحات الجريمة إلى فضاء جديد مفتوح على مدار الساعة عبر شاشة هاتف صغيرة باتت قادرة على أن تتحول إلى مسرح لجريمة، أو منصة لشائعة، أو نافذة لابتزاز إلكترونى، أو وسيلة لترويج العنف والكراهية.

ومع هذا التحول العميق، كان على الوزارة أن تطور أدواتها، وأن تعيد تعريف مفهوم الأمن ذاته، وأن تنتقل من مطاردة الجريمة فى الواقع المادى إلى ملاحقتها فى العالم الرقمى لتحقيق ما يمكن أن نسميه العدالة الرقمية الناجزة.

لقد أصبح ما يُنشر على صفحات الإنترنت، ومقاطع الفيديو، والبث المباشر مادة أولية للتحرى والفحص والاستدلال، بما مكّن الأجهزة الأمنية من الوصول إلى مرتكبى العديد من الجرائم، التى ظن أصحابها أن الفضاء الرقمى يمنحهم حصانة أو يضمن لهم التخفى.

ويُلاحظ المتابع أن قطاعى الأمن العام، وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والعلاقات  بوزارة الداخلية قد نجحوا فى بناء منظومة متابعة ورصد دقيقة تعمل على مدار الساعة، ترصد ما يتم تداوله من مقاطع مصورة، أو منشورات تتعلق بوقائع جنائية، أو سلوكيات مخالفة للقانون، أو شائعات تستهدف إثارة البلبلة. ولم تعد الاستجابة الأمنية رهينة البلاغات التقليدية، بل باتت المبادرة بالرصد والتحقق والتحرك أحد أبرز ملامح الأداء الأمنى الحديث.

إن ما نشهده اليوم لا يعكس فقط تطورًا فى الأدوات، بل يكشف عن تطور أعمق فى الفكر الأمنى ذاته وتحقيق تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسى بتطوير العمل الشرطى والتحديث المؤسسى الشامل لضمان مكافحة الجريمة بكل أنواعها حفاظًا على أمن المواطن والمجتمع. فالأمن فى العصر الرقمى، الذى نعيشه أصبح علمًا قائمًا على تحليل البيانات، وتتبع الأنماط، وفهم البيئة الرقمية، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى فى قراءة المؤشرات المبكرة للجريمة. لقد أدركت وزارة الداخلية أن المجتمع تغير، وأن المجرم تغير، وأن أدوات المواجهة يجب أن تتغير هى الأخرى، وهو ما حققته الوزارة باقتدار تحت قيادة اللواء محمود توفيق وزير الداخلية.

غير أن الوجه الآخر للصورة يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا تقول لنا هذه الجرائم عن المجتمع نفسه؟

فالمتابع لما يتم كشفه يوميًا من وقائع اعتداء وعنف وابتزاز ونصب إلكترونى ومحتوى هابط وانتهاكات أخلاقية، يدرك أن الأجهزة الأمنية لا تواجه فقط مجرمين وتسعى لتقديمهم إلى العدالة، بل تتحمل عبئًا متزايدًا ناتجًا عن تراجع منظومات القيم الاجتماعية والتربوية والثقافية. فكل جريمة يتم ضبطها تمثل نجاحًا أمنيًا، لكنها فى الوقت ذاته مؤشر يستحق التأمل حول الأسباب، التى دفعت إليها. الأمن يستطيع أن يواجه النتائج، لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج الجذور.

وهنا تتكشف حقيقة مهمة: فالمعركة ضد الجريمة الرقمية ليست مسئولية وزارة الداخلية وحدها، بل هى مسئولية تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية. فكلما تراجعت هذه الحصون المجتمعية، ازدادت الأعباء الملقاة على كاهل المؤسسة الأمنية.
ولعل المتابع للصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع فيسبوك يلاحظ أن أكثر المنشورات جذبًا للاهتمام والتفاعل هى تلك المتعلقة بضبط مرتكبى الجرائم المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وكشف ملابسات مقاطع الفيديو المثيرة للجدل، خاصة المتعلقة بحماية الأسرة، ورفض الممارسات غير الأخلاقية، وتوجيه الضربات لشبكات النصب الإلكترونى، وضبط تجار المخدرات والأسلحة، فضلًا عن المنشورات المرتبطة بالخدمات الجماهيرية واستخراج الوثائق الرسمية، وتطوير الخدمات الرقمية للمواطنين. هذه المنشورات لا تقدم أخبارًا أمنية فحسب، بل تعكس أيضًا فلسفة جديدة تقوم على الشفافية وإطلاع الرأى العام على نتائج العمل الأمنى.

لكن المستقبل يحمل تحديات أكبر، فالجريمة الرقمية تتطور بوتيرة أسرع من أى وقت مضى، والذكاء الاصطناعى، وتقنيات التزييف العميق، والعملات المشفرة، والجرائم العابرة للحدود، ستفرض أنماطًا جديدة من التهديدات الأمنية وفهمًا أعمق للبيئات الرقمية المعقدة، والمسألة هنا تتطلب تحركًا من المجتمع كله لمواجهة ذلك الخطر، وتعاونًا أكبر مع أجهزة الأمن.

فى تصورى أن العدالة الرقمية الناجزة ليست مجرد قدرة على ضبط الجناة بعد ارتكاب الجريمة، وإنما هى منظومة متكاملة تقوم على الرصد المبكر، والتحليل الذكى، والاستجابة السريعة، والردع الفعال، دون الإخلال بحقوق الإنسان وحرمة حياته الخاصة، وهى المعادلة الصعبة لحماية حقوق الإنسان فى عصر الجريمة المصورة.

نجاح الدولة فى هذا الملف لا يقاس فقط بعدد القضايا التى يتم كشفها، بل بقدرتها على بناء مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر التزامًا بالقانون، وأكثر مناعة أمام الشائعات والجريمة الرقمية. فالتكنولوجيا ستواصل التغير، وأساليب الإجرام ستواصل التطور، لكن الرهان الحقيقى سيظل دائمًا على الإنسان، وعلى وعى المجتمع، وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على التكيف مع عصر تتحرك فيه الجريمة بسرعة الضوء، وتلاحقها العدالة الناجزة بالسرعة نفسها.