أما بعد

بين «شيرين» و«عزيز الشافعى»!

أحمد باشا
أحمد باشا


فى الفن، كما فى السياسة، لا توجد حصانة أبدية. لا موهبة مهما بلغت، ولا نجاح مهما تراكم، يمنح صاحبه صكاً مفتوحا يعلو به فوق النقد، أو يضعه فى منطقة معزولة عن مساءلة الجمهور. فالفن فى جوهره ليس ملكاً لصانعه بمجرد خروجه إلى الناس، بل يصبح منذ لحظة ميلاده ملكاً للذائقة العامة، خاضعا لحكمها، رهينا برضاها أو رفضها.

تابعت، مثل ملايين غيرى، عودة الفنانة شيرين عبدالوهاب إلى الغناء عبر ثلاث تجارب حملت توقيع الملحن عزيز الشافعى، كان آخرها الدويتو الذى جمعها بمحمد حماقى. والحق أن عودة شيرين لم تكن حدثا عابرا ، بل كانت أشبه بعودة صوت طال غيابه، وانتظر جمهوره أن يعود مدويا، كما البرق حين يشق ليلا طال سكونه.

كان الترقب كبيرا، بل إن سقف التوقعات ارتفع إلى حد انتظار عمل استثنائى يعيد شيرين إلى صدارة المشهد الغنائى، ويمنحها لحظة استرداد كاملة لمكانتها التى صنعتها عبر سنوات من الحضور الطاغى. لكن ما قُدم، بكل أسف، جاء أقل بكثير من حجم الحدث ومنسوب الانتظار.

هنا لا يصبح النقد عدوانا، بل حقا أصيلا . فمن أشاد بعزيز الشافعى على مدار عقدين كاملين، واحتفى بتجارب صنع فيها الفارق وقدم ألحانا حفرت مكانها فى الذاكرة، هو نفسه الجمهور الذى عبّر هذه المرة عن عدم اقتناعه بما سمعه. وهذه ليست خيانة من الجمهور، بل وفاء لدوره الطبيعى بوصفه الحكم الأول والأخير.

أخطأ عزيز الشافعى حين تعامل مع عودة شيرين بوصفها مساحة للتجريب الفنى. شيرين، فى وضعها الراهن، صوتيا ونفسيا ، لم تكن تحتمل مغامرة موسيقية غير محسوبة. كانت تحتاج إلى عمل آمن، راسخ، يرد إليها ثقتها ويعيد وصلها بجمهورها، لا إلى قفزة غير مضمونة العواقب.

والأخطر من سوء التقدير الفنى، ذلك الفيديو الذى خرج فيه الملحن الكبير مدافعا عن تجربته، ملوحا بملاحقات قانونية ضد منتقديه. وهو موقف يثير دهشة حقيقية؛ إذ كيف لفنان خبر الساحة وعركته التجارب أن يهتز أمام النقد إلى هذا الحد؟

أى منطق ذاك الذى يتصور أن من حق الفنان أن يحتفى بالتصفيق، ثم يجرّم الرفض؟

الفن، يا عزيز، ليس قاعة مغلقة يديرها صاحبها كما يشاء، بل ساحة عامة مفتوحة، ضريبتها النقد قبل الإشادة، والاختلاف قبل الاتفاق. والجمهور ليس تابعا ، ولا متلقيا سلبيا ، بل هو الشريك الأصيل فى صناعة القيمة الفنية.

ربما يحتاج عزيز الشافعى الآن إلى صديق عزيز يربت على كتفه، ويهمس فى أذنه بأن النجاح الطويل لا يمنح أحدًا شيكًا على بياض، وأن الموهبة الحقيقية لا تخشى النقد، بل تصغى إليه، وتتعلم منه. فحين قررت أن تغادر الهندسة لتحترف الفن، فقد ارتضيت ــ طوعاً ــ قوانين اللعبة. وأول هذه القوانين أن تتقبل الرفض كما استمتعت طويلًا بالتصفيق.