فى التاريخ العسكرى حروب عبثية، يخلع فيها الساسة والقادة رداء الحكمة، ويقعون فى فخاخ التهور، وفى بداية الحرب بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، كانت خطابات الرئيس تؤكد أنها نزهة خلوية، يعود بعدها منتصرًا، بعد إبادة إيران ومحو ثقافتها وتدمير حضارتها واستسلام قادتها، ولن تستغرق سوى أيام معدودة.. لكن الرياح لم تأت بما يشتهى الرئيس الأمريكى.
لم تسقط إيران ولم يستسلم قادتها، ولم تدفن حضارتها فى باطن الأرض، وتحولت لغة الاستعلاء إلى تراجع واضح، وأصبحت تصريحات ترامب الأخيرة، كمَن يسعى الى اتفاق بأى ثمن، وهذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريو «اللاسلم واللاحرب»، وهو وضع رمادى تُستنزف فيه الجبهات دون حسم.
والسؤال: لماذا لم يستفد ترامب من دروس التاريخ، فى فيتنام وأفغانستان والعراق؟ الواقع يؤكد أنه ليس وحده، وكل رؤساء أمريكا دخلوا الحروب بذات العقلية، ثم تراجعوا بعد غرقهم فى مستنقعات الاستنزاف.
التناقض الصارخ بدا واضحًا حين أبلغ ترامب الكونجرس بأن «الحرب انتهت»، بعد يوم واحد فقط، من تهديده بعاصفة التدمير، وهى سمة أساسية فى طريقته المرتبكة لإدارة الأزمات، وما يجرى على الأرض، يكشف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، ليست كافية وحدها لتغيير الأنظمة، مع دولة تمتلك قدرًا من الصلابة مثل إيران، وأن سقف التصعيد وصل إلى حد من الصعب تجاوزه، إلا بالانزلاق إلى مواجهة أخرى شاملة، تحرق الأخضر واليابس.
ثم يأتى خيار الحصار الذى لجأت إليه واشنطن، بديلًا عن استمرار الحرب، وهو ليس جديدًا، فإيران تخضع لعقوبات قاسية منذ عقود، تشمل تجميد أصول مالية ضخمة وقيودًا اقتصادية خانقة، ومع ذلك لم تؤد إلى تغيير سلوك النظام، بل على العكس، أدت إلى زيادة التماسك الداخلى، وتعزيز خطاب التحدى ضد واشنطن.
والتاريخ يؤكد أن سياسة الحصار الأمريكية لم تفلح يومًا فى تغيير الأنظمة، فقد استمر حصار القذافى عشر سنوات، ولم يسقط إلا مع رياح الفوضى، وفى كوبا صمد النظام أمام أطول حصار فى التاريخ، وفى كوريا الشمالية أدى الحصار إلى نتيجة عكسية تمامًا وتحولت البلاد إلى قوة نووية رادعة.
وفى الداخل الأمريكى، لا يمكن تجاهل الضغوط السياسية والاقتصادية التى يواجهها ترامب، والتى ترافقت مع تداعيات أثرت على الاقتصاد العالمى، وزادت العبء على الإدارة الأمريكية، أما إقليميًا، فقد كشفت الأزمة عن تغيرات عميقة فى موازين الثقة، وبدأت بعض الدول تعيد التفكير جديًا، فى جدوى اعتمادها الكامل على مظلة الحماية الأمريكية.
يمكن القول إن ترامب أضر بالجميع بما فيهم أمريكا، وما حدث كان لحظة كاشفة أعادت صياغة السياسات فى المنطقة، وربما توقفت الحرب، ولكن آثار هذه المغامرة ستبقى كتوابع الزلزال، محملة بمفاجآت جديدة وتوازنات قادمة، وتغييرات أعمق مما يتوقعه الجميع.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







