الخبراء: المبنى المستقل لا يكفى.. والرقابة هى كلمة السر
أكثر من 51 ألف حريق شهدتها مصر خلال عام واحد، بينها 533 حادثة داخل منشآت صناعية، بينما تتجه الدولة إلى توسيع نطاق الأنشطة الصناعية المسموح بها داخل الأحوزة العمرانية والكتل السكنية، فى قرار يراه البعض دفعة للاستثمار، ويخشى آخرون أن يتحول إلى خطر يقترب أكثر من البيوت..
القرار الأخير لوزير الصناعة رفع عدد الأنشطة المسموح بإقامتها داخل المناطق السكنية من 17 نشاطًا إلى 65 نشاطًا، بينها مشروعات غذائية ونسيجية، فى خطوة تستهدف تيسير الإجراءات وتقنين أوضاع قائمة بالفعل، لكن القرار نفسه أعاد فتح ملف قديم: ماذا يحدث حين يصبح المصنع جارًا للشقة السكنية؟..
وهنا الجدل لا يتوقف عند حدود النصوص القانونية، بل يمتد إلى ما تكشفه الوقائع على الأرض، حرائق متكررة فى مخابز ومصانع ملابس، وانفجارات داخل مطابخ ومحال غذائية، كلها حوادث تطرح سؤالًا جوهريًا، هل يكفى شرط «المبنى المنفصل» لحماية السكان، أم أن الخطر يظل قائمًا طالما بقيت هذه الأنشطة داخل النسيج السكنى ذاته؟..
بين نص القرار وواقع التنفيذ، «الأخبار» تفتح فى هذا التحقيق ملف تداخل الصناعة مع السكن، باحثة فى مخاطره، ومدى تطبيق شروط الأمان، وحدود التوازن بين ضرورات الاستثمار وحق المواطنين فى بيئة آمنة.
فى 31 مارس 2026، اندلع حريق هائل داخل مصنع ومخزن ملابس وسط الكتلة السكنية بشارع سرايا القبة فى الزيتون، وأسفر عن مصرع 3 أشخاص وإصابة اثنين.
وبعدها بيوم واحد فقط، تكرر المشهد فى نطاق قريب، عندما اشتعل مصنع ومخزن ملابس أسفل عقار سكنى بمنطقة حلمية الزيتون، ما أدى إلى سقوط 8 وفيات و17 مصابًا.
وقبلها، شهدت منطقة الموسكى حريقًا داخل مصنع ملابس بأحد العقارات القديمة، كما اندلعت حرائق داخل منشآت غذائية بالعمرانية والإسكندرية، مع ما صاحبها من إصابات واختناقات.
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع عدد حوادث الحريق فى مصر إلى 51 ألفًا و29 حادثة خلال عام 2025، مقابل 46 ألفًا و925 حادثة فى 2024، بنسبة زيادة بلغت 8.7%، وتصدرت النيران الصناعية والماس الكهربائى قائمة الأسباب الرئيسية، فيما جاءت الأراضى الفضاء والمبانى السكنية فى مقدمة أماكن وقوع الحرائق، بينما سجلت المنشآت الصناعية 533 حادثة، وتصدرت محافظتا القاهرة والجيزة معدلات الحوادث على مستوى الجمهورية..
لكن هذه الأرقام لا تبقى حبرًا على الورق حين تتحول إلى خوف يومى يعيشه السكان، ففى منطقة بيجام، بأحد شوارع شبرا الخيمة الضيقة بمحافظة القليوبية، لا تزال آثار الحريق الذى اندلع قبل أشهر داخل ورشة ملابس مجاورة حاضرة فى ذاكرة الأهالى.
سهام محمود، إحدى قاطنات العقار الملاصق للورشة، تستعيد تفاصيل الليلة قائلة: «كنا نايمين وفجأة صحينا على ريحة دخان خانقة.. فتحنا الباب لقينا السلم كله أسود ومليان دخان»..
وتضيف بصوت مرتبك أن الأطفال أصيبوا بحالة هلع، بينما حاول السكان النزول سريعًا وسط انعدام الرؤية: «كنا بنخبط فى بعض ومش شايفين.. وكل اللى بنفكر فيه نخرج بأى طريقة، لحد ما خرجنا والحريق انطفا».
الاشتراطات الفنية
هذه الوقائع، وإن سبقت القرار، تعكس واقعًا قائمًا يخشى خبراء أن يتفاقم مع التوسع الجديد، إذ يحذر المهندس الاستشارى هشام على، عضو اللجنة العليا للصناعة بالنقابة العامة للمهندسين، من خطورة تشغيل منشآت صناعية داخل الكتل السكنية دون الالتزام الصارم بالاشتراطات الفنية، مؤكدًا أن القاعدة الأساسية هى أن يكون المبنى الصناعى مستقلًا تمامًا وبعيدًا عن الاستخدامات السكنية والتجارية..
ويضيف أن طبيعة هذه المنشآت تتطلب تصميمًا إنشائيًا يتحمل أحمالًا صناعية تختلف كليًا عن الأحمال السكنية، مشددًا على ضرورة مراجعة قدرة المبنى على تحمل تلك الأحمال، سواء من حيث الخرسانة أو الأحمال الكهربائية، لضمان عدم حدوث انهيارات أو حوادث جسيمة.
ويشير إلى أن اشتراطات الحماية المدنية لا غنى عنها، خاصة فى المنشآت ذات درجات الخطورة المرتفعة، موضحًا أن تأمين المصنع يجب أن يشمل مسارات خروج واضحة، ووسائل تهوية صناعية قادرة على التعامل مع حالات الحريق، مع الالتزام الكامل بمعايير السلامة والصحة المهنية داخل بيئة العمل، ويؤكد أن أحد الشروط الحاكمة يتمثل فى أن تكون المنشأة الصناعية هى المبنى بالكامل، دون وجود أى استخدامات سكنية داخله، وهو ما نصت عليه قرارات وزارة الصناعة الأخيرة كشرط أساسى للترخيص..
ويستحضر هشام على صورة واقعية لما قد يحدث فى حال غياب هذه الاشتراطات.
قائلًا : إن وجود ورشة أو مصنع محاط من جميع الجهات بمبانٍ سكنية ومحلات تجارية، دون مسافات أمان أو مخارج طوارئ كافية، يمثل كارثة محتملة بكل المقاييس.
الأدخنة السامة
ويوضح أن الحرائق فى مثل هذه البيئات غالبًا ما تقع ليلًا، حين يكون السكان داخل منازلهم، بينما تتصاعد الأدخنة السامة بسرعة قد تسبق انتشار اللهب نفسه، مثل أول أكسيد الكربون وسيانيد الهيدروجين الناتج عن احتراق المواد البلاستيكية، ما يؤدى إلى حالات اختناق قد تقع قبل وصول فرق الإطفاء.
ويوجه هشام على نصائح للمواطنين الذين يقطنون بجوار هذه المنشآت، بضرورة اتخاذ إجراءات وقائية داخل المنازل، مثل تركيب كواشف دخان، والاحتفاظ بطفايات حريق جاهزة، والتدريب على أساليب التصرف وقت الطوارئ، ومنها التحرك أسفل مستوى الدخان لتجنب الاختناق.. كما يشدد على أهمية التنسيق بين الجيران، خاصة فيما يتعلق بمساعدة كبار السن وذوى الإعاقة أثناء الإخلاء..
ويؤكد أن التعامل مع الحرائق يتطلب سرعة ووعيًا، موضحًا أنه فى حال اندلاع حريق بمصنع مجاور، يجب إغلاق الأبواب والنوافذ بإحكام، واستخدام أقمشة مبللة للحد من تسرب الدخان، وتجنب استخدام المصاعد، والاعتماد على السلالم، مع الاتصال الفورى بالحماية المدنية.. ويوجه رسالة واضحة إلى أصحاب المصانع، مؤكدًا أن الاستثمار فى أنظمة الإطفاء الحديثة لم يعد رفاهية أو خيارًا إضافيًا، بل ضرورة لحماية الأرواح قبل الممتلكات.
آليات تنفيذ القرار
وفى السياق ذاته، يؤكد المهندس محمد شتلة، خبير الصحة المهنية، أن التوسع فى المشروعات الصناعية «أمر محمود وندعمه جميعًا»، لكنه يشدد على أن نجاحه يرتبط بوضوح الضوابط وآليات التنفيذ، مؤكدًا أن اشتراطات السلامة والصحة المهنية ليست رفاهية، بل ضرورة لا تحتمل التهاون، خاصة فى ظل وقائع سابقة شهدتها بعض المنشآت العاملة داخل الكتل السكنية..
ويوضح أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وضع إطارًا منظمًا لعمل المنشآت الصناعية، خاصة فى مجالى الأغذية والمنسوجات، داخل الحيز العمراني، مشيرًا إلى أن السماح بهذه الأنشطة لا يعنى التخفف من الاشتراطات، بل يفرض التزامًا مضاعفًا لحماية الأرواح والبيئة المحيطة.. ويشير إلى أن أول الضوابط تتعلق بطبيعة المبنى، إذ يجب أن يكون مستقلًا تمامًا عن المبانى السكنية، مع وجود مسافات فاصلة تمنع انتقال الضوضاء أو الاهتزازات، إلى جانب تصميم هندسى يراعى توفير مخارج طوارئ كافية، ومسارات هروب واضحة، وأبواب مقاومة للحريق..
ويضيف أن اشتراطات البنية الداخلية لا تقل أهمية، خاصة فى الصناعات الغذائية والنسيجية، نظرًا لطبيعة المواد المستخدمة، مثل الأقمشة القابلة للاشتعال أو الزيوت، ما يستلزم تركيب أنظمة إنذار مبكر تعمل على مدار الساعة، وشبكات إطفاء متكاملة، وطفايات حريق موزعة وفق طبيعة المخاطر، إلى جانب خزان مياه للطوارئ..
ويتابع أن التهوية الجيدة والإدارة السليمة للمخلفات تمثلان خط دفاع أساسيًا، محذرًا من أن تراكم المخلفات قد يؤدى إلى حرائق أو تلوث بيئى، كما أن معالجة مياه الصرف الصناعى قبل تصريفها أمر حتمى فى بعض الأنشطة..
ويشدد شتلة على ضرورة وجود منظومة واضحة للطوارئ، تشمل مسئولين مختصين بالسلامة، وتدريب العمال على الإطفاء والإسعافات الأولية، مع تقييم دورى للمخاطر، ويرى أن الرقابة المستمرة هى الفيصل الحقيقى، مطالبًا بتغليظ العقوبات الحالية، لأن بعض المخالفين قد يعتبرون الغرامات أقل تكلفة من الالتزام الكامل، مؤكدًا أن سياسات التوسع يجب ألا تكون على حساب سلامة الإنسان.
موقف القانون
وفى هذا الصدد، يوضح إيهاب الأطرش، المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة، أن القانون يتعامل مع الحوادث الناتجة عن الحرائق سواء خلفت إصابات أو حالات وفاة باعتبارها من جرائم الخطأ لا العمد، وهو ما يندرج تحت مسمى «القتل الخطأ» أو «الإصابة الخطأ»، وفقًا لما تنص عليه مواد قانون العقوبات.
ويقول إن المادة 244 من قانون العقوبات تنص على أن مَن تسبب فى جرح أو إيذاء شخص بسبب الإهمال يعاقب بالحبس سنة وغرامة 200 جنيه أو واحدة منهما، وترتفع المدة إلى سنتين أو دفع غرامة مقدارها 300 جنيه فى حالة أن الحادث تسبب فى عاهة مستديمة للضحية، أما فى حالة الوفاة، فتطبق المادة 238 من القانون ذاته، والتى تنص على عقوبة بالسجن من 6 أشهر إلى 5 سنوات إذا نتجت الوفاة عن إهمال جسيم..
ويرى الأطرش ضرورة تغليظ هذه العقوبات، موضحًا أن الأحكام الحالية لا تعكس حجم الضرر الذى يمكن أن تسببه هذه الحوادث، خاصة حين تكون ناتجة عن إهمال جسيم يمكن تفاديه..
ويؤكد فى هذا الشأن أيضًا أهمية دور جهة الولاية، أى الجهة الإدارية المسئولة عن الرقابة على المنشآت داخل نطاقها، فمثلًا، الأحياء المختلفة أو أجهزة المدن ينبغى أن تضطلع بدور فاعل فى التفتيش على المنشآت، ومتابعة صيانة أنظمة الحماية المدنية، من أجهزة إنذار، وطفايات، وغيرها، مؤكدًا أن غياب هذا الدور الرقابى، يجعل المنشآت تستهتر بتطبيق اشتراطات الأمان.
معدلات التشغيل
وعن المردود الاقتصادى، يرى د. خالد الشافعى رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية، أن قرار وزير الصناعة الأخير بتوسيع الأنشطة الصناعية داخل الكتل السكنية يمثل خطوة داعمة للاقتصاد والمواطن، موضحًا أنه يسهم فى تشجيع الاستثمار، وتوطين صناعات جديدة، ورفع الطاقات الإنتاجية.
بما ينعكس على معدلات التشغيل وزيادة دخول الأفراد.. ويضيف أن هذه الأنشطة، خاصة المرتبطة بصناعة النسيج ومراحلها المختلفة، تتماشى مع طبيعة المجتمع المصرى الذى يعتمد بدرجة كبيرة على العمل الأسرى، لافتًا إلى أن إتاحتها داخل الكتل السكنية تفتح المجال أمام شرائح واسعة، خاصة السيدات، للمشاركة فى الإنتاج وتحقيق دخل من داخل محيطهن المعيشى..
ويشير الشافعى إلى أن القرار لا يأتى من فراغ، بل يمثل تقنينًا لوضع قائم بالفعل، حيث كانت العديد من هذه الأنشطة تعمل بشكل غير رسمى فيما يعرف بـ«اقتصاد بير السلم»، موضحًا أن دمجها فى الإطار الرسمى يحقق ضبط السوق، وإخضاع الأنشطة للرقابة، وضمان الالتزام بالمعايير والمواصفات.
ويؤكد أن هذا التحول يوسع القاعدة الاقتصادية الرسمية للدولة ويدعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، لكنه يشدد فى الوقت نفسه على ضرورة تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار وحماية السكان، عبر منظومة متكاملة تراعى الجوانب الاقتصادية والبيئية والسلامة.


من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







