قبل 780 عامًا.. كيف أدارت مصر قوافل الحج عبر سيناء؟

قوافل الحج عبر سيناء
قوافل الحج عبر سيناء


لم يكن طريق الحج المصري القديم عبر سيناء مجرد مسار لعبور الحجاج إلى الأراضي المقدسة، بل كان منظومة حضارية متكاملة تعكس عظمة التنظيم الإداري والاجتماعي في الدولة المصرية خلال العصور الإسلامية، فقد رافقت قوافل الحج أجهزة إدارية وخدمية متنوعة، شكلت ما يشبه «حكومة مصغرة» هدفها حماية الحجاج وتوفير احتياجاتهم الصحية والغذائية والأمنية طوال الرحلة الممتدة عبر الصحراء وسيناء حتى مكة المكرمة.

 


- مجتمع متنقل متكامل الأركان


من جانبه، أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن قافلة الحج المصرية عبر سيناء كانت تمثل مجتمعًا متنقلًا متكامل الأركان، يقوده «أمير الحاج» باعتباره القائد العام للقافلة والمسؤول الأول عن تنظيم الرحلة واختيار توقيت التحرك ومسارات السير وأماكن التوقف والحراسة، إلى جانب التصدي لأي اعتداءات قد تتعرض لها القافلة.

 

 

وأشار إلى أن من أشهر أمراء الحج الأمير سلار نائب السلطنة، الذي تولى إمارة الحج عام 703 هـ، وكان معروفًا بعدله وفضائله حتى دعا له الناس قائلين: «يا سلار كفاك الله شر النار».

وأوضح الدكتور ريحان أن حماية ورعاية الحجاج عبر سيناء استلزمت وجود إدارة متكاملة ترافق القافلة، تضم ممثلًا للسلطة العسكرية وهو «أمير الحاج»، إلى جانب «قاضي المحمل» ممثل السلطة القضائية، فضلًا عن جهاز تموين متكامل يشمل «شاد المخازن» و«الكيلار» أو «القباني»، المسؤولين عن تقسيم المؤن بعدالة طوال الرحلة.


- وزارة صحة متنقلة


كما ضمت القافلة مسؤولين عن توفير المياه وتنظيف أوعية حفظها الجلدية، مثل «شاد السقائين» و«مهتار الشراب خانة» و«مهتار الطشت خانة»، بالإضافة إلى مشرفين على إعداد الطعام، من بينهم «شاد المطبخ» والطباخون.

وأضاف أن الرحلة كانت ترافقها أيضًا "وزارة صحة متنقلة" تضم طبيبًا وجراحًا يُعرف باسم "الجرائحي"، وطبيب عيون وبعض الأدوية، إلى جانب رعاية بيطرية للدواب والجمال التي تحمل الحجاج والمؤن، حيث كان هناك مسؤول يُعرف باسم "أميراخور" لمتابعة الحالة الصحية للحيوانات، يعاونه طبيب بيطري متخصص.

 

 

ولفت إلى وجود وظائف أخرى مرتبطة بالقافلة، منها «مقدم الضوئية» المسؤول عن حاملي المشاعل التي كانت تضاء بالزيت أو الخشب، وكذلك "مقدم الهجانة" المشرف على أكسية الجمال المزخرفة التي تضفي على القافلة مظهرًا مهيبًا أثناء السير.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن القافلة لم تخل من الشعراء والمنشدين الذين كانوا يرددون الأشعار الدينية والأناشيد الروحانية وسط أجواء الصحراء الممتدة، فيما كان «الميقاتي» مسؤولًا عن تحديد مواقيت الصلاة، إلى جانب المؤذن وعدد من أصحاب المهن الصغيرة مثل الخباز والنجار ومغسلي الموتى.


- أول وكالة أنباء في التاريخ


وأكد أن القافلة ضمت كذلك ما يشبه أول «وكالة أنباء» في التاريخ، حيث كان يرافق الحجاج شخص مكلف بتسجيل كل ما يحدث خلال الرحلة من أحداث وصعوبات وعدد الوفيات، ثم يسرع بعد العودة إلى الحاكم ليقدم تقريرًا شاملًا عن الرحلة وأحوال الحجيج.

وأوضح الدكتور ريحان أن الرحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت رحلة روحانية عميقة، إذ كان الشعراء يتغنون بالأشعار الدينية وسط أجواء البادية، بينما يردد الحجاج: «لبيك اللهم لبيك»، وكأن الكعبة المشرفة تناديهم طوال الطريق.

 

 

- بداية طريق الحج عبر سيناء

 

وأشار الدكتور ريحان إلى أن الحج عبر مصر إلى الأراضي المقدسة استمر لعدة قرون، ليس فقط لحجاج مصر، بل أيضًا لحجاج الأندلس والمغرب العربي وإفريقيا، في صورة تعكس الدور الحضاري المصري في خدمة ضيوف الرحمن.

وأوضح أن شجر الدر مثلت محطة تاريخية مهمة عندما سلكت "درب الحج المصري" عبر سيناء لأداء الفريضة عام 645 هـ / 1247م، لتصبح هذه الرحلة اللبنة الأولى لاعتماد الطريق البري عبر سيناء كمسار رسمي لقوافل الحج.

وأضاف أن السلطان الظاهر بيبرس، الذي حارب الصليبيين لعشر سنوات، تمكن من استعادة مدينة عقبة أيلة عام 665 هـ / 1267م، فأعاد إحياء طريق الحج المصري عبر وسط سيناء، وأعاده إلى سابق عهده كطريق رئيسي للحجاج، كما قام بكسوة الكعبة وصنع مفتاح لها، ثم أرسل قافلة الحج عبر هذا الطريق، منهياً بذلك استخدام الطريق القديم عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية من قوص إلى عيذاب. وفي عام 667 هـ / 1268م، زار الظاهر بيبرس مكة عبر طريق أيلة، ليؤكد أهمية هذا المسار التاريخي.

 

 

وأوضح أن الطريق مر بثلاث مراحل تاريخية، بدأت من الفتح الإسلامي حتى أواخر العصر الفاطمي، وكانت «جب عميرة» أو «بركة الحاج» نقطة الانطلاق الرئيسية، وكانت الرحلة من القاهرة إلى عقبة أيلة تستغرق نحو تسعة أيام، تقسم إلى ثلاث مراحل متساوية.

ولفت إلى أنه منذ عام 675 هـ في عهد الظاهر بيبرس، أصبح "المحمل" يطوف شوارع القاهرة مرتين سنويًا، الأولى في شهر رجب للإعلان عن أمان الطريق، والثانية في شوال استعدادًا لخروج القافلة، حيث كان الموكب يبدأ من "باب النصر" وسط تجمعات ضخمة من المصريين لمشاهدة المحمل الشريف.

 

 


- المحطات الرئيسية على الطريق


وبيّن الدكتور ريحان أن الرحلة كانت تبدأ من «بركة الحاج» بالقاهرة، حيث تتزود القافلة بالمياه والطعام قبل التحرك إلى عجرود، التي تميزت بقربها من القلزم "السويس"، ما جعلها سوقًا مهمًا لقوافل الحج والتجارة.

ثم تتحرك القافلة إلى السويس، ومنها جنوبًا بمحاذاة خليج السويس حتى «عيون موسى»؛ للتزود بالمياه العذبة، ثم إلى وادي صدر «سدر»، وبعدها تصعد إلى هضبة التيه مرورًا بعدة روافد متصلة بوادي العريش وصولًا إلى منطقة نخل.

وأشار إلى أن هذا الطريق تميز بقلة الكثبان الرملية، ما سهّل حركة القوافل، ثم تواصل الرحلة إلى عقبة أيلة، مرورًا بعدد من الآبار ومحطات المياه مثل "بئر الثمد" و"بئر القريص"، قبل الوصول إلى الأراضي الحجازية ومنها إلى مكة المكرمة.

 

 

- نظام القافلة والتجارة

 

وأوضح الدكتور ريحان أن قافلة الحجيج كانت تسير وفق نظام دقيق يبدأ بالرسميين ثم الأعيان ثم الحجاج، بينما توضع الأموال والمؤن والنساء والبضائع الثمينة في وسط القافلة لضمان حمايتها.

وأشار إلى أن رئيس المحمل كان يحصل على مرتب سنوي يبلغ 18 ألف دينار، إضافة إلى ألف أردب من القمح وأربعة آلاف أردب من الفول، ويرافقه عدد كبير من الموظفين والخدم والحاشية.

 

 

واختتم الدكتور ريحان بأن موسم الحج كان يمثل أيضًا موسمًا اقتصاديًا وتجاريًا ضخمًا، حيث كانت مكة تشهد واحدة من أكبر الأسواق التجارية في العالم خلال أيام الحج، إذ كانت تجارة الهند ومنتجات الشرق تنتقل عبر القوافل إلى جدة ثم إلى السويس، فيما تحولت جدة إلى ميناء رئيسي تتجمع فيه غلال مصر وخضرواتها والبضائع القادمة من الهند والقهوة اليمنية.