مقبرة باشيدو في دير المدينة.. تحفة فنية تحكي أسرار حرفيي وادي الملوك

مقبرة باشيدو
مقبرة باشيدو


وسط جبانة دير المدينة بالأقصر، تختبئ واحدة من أجمل المقابر المصرية القديمة وأكثرها سحرًا، وهي مقبرة باشيدو رقم TT3، التي تكشف تفاصيل مدهشة عن حياة الحرفيين الذين صنعوا روائع المقابر الملكية في وادي الملوك

وتُعد هذه المقبرة نموذجًا فريدًا للفن الجنائزي المصري، حيث جمعت بين الدقة الفنية والعقيدة الدينية في مشاهد لا تزال تبهر الزائرين حتى اليوم.

يقع مدخل مقبرة باشيدو المذهلة شديدة الجمال داخل دير المدينة، وتحمل الرقم TT3، وتُعد من أبرز المقابر التي تجذب عشاق الآثار والفن المصري القديم. وتتطلب زيارة هذه المقبرة تذكرة إضافية إلى جانب تذكرة الدخول العادية لدير المدينة، كما أن الوصول إليها يحتاج إلى صعود طريق شديد الانحدار، إلا أن المشاهد الفنية المبهرة داخلها تجعل الرحلة تستحق هذا الجهد.

وكان «باشيدو» يشغل منصب «خادم في مكان الحق»، وهو اللقب الذي كان يُطلق على الحرفيين والعمال المتخصصين في تنفيذ وزخرفة المقابر الملكية داخل وادي الملوك، وذلك خلال عهدي الملك سيتي الأول والملك رمسيس الثاني.

ودُفنت داخل المقبرة زوجته "نجمت-بهِدت"، بينما تولى باشيدو خلال حكم رمسيس الثاني منصب "رئيس عمال الجانب الأيسر"، وهو المسؤول عن فريق العمال المكلف بزخرفة الجانب الأيسر من المقابر الملكية.

وتتميز المقبرة بزخارفها المذهلة التي تعكس براعة باشيدو كحرفي ملكي، حيث استخدم كل مهاراته الفنية في تزيين مقبرته الخاصة، لتصبح واحدة من أروع المقابر الصغيرة في دير المدينة.

كما شهدت المقبرة تطويرات حديثة ساهمت في تحسين تجربة الزيارة، إذ تمت إزالة الألواح الزجاجية التي كانت تغطي الجدران وتتسبب في انعكاسات مزعجة تعيق التصوير، واستُبدلت بحواجز حبلية تسمح برؤية النقوش بوضوح أكبر.

وفوق مدخل المقبرة يظهر المعبود الجنائزي "بتاح-سوكر" في هيئة صقر يقف فوق قارب، بينما تمتد أجنحته المزخرفة أسفل "عين الودجت"، أحد أشهر الرموز الوقائية في العقيدة المصرية القديمة.

كما يظهر ابنا باشيدو، "مِنا" و"كاها"، راكعين على جانبي القارب وأذرعهما مرفوعة في وضعية الصلاة المصرية القديمة، وهما يؤديان طقوس التعبد للآلهة المصورة على الجدران.

وفي المشاهد الموجودة أسفل المدخل، إلى الجهة اليسرى، يظهر باشيدو راكعًا أمام شجرة دوم ويشرب من بركة ماء، وهو مشهد يُجسد التعويذة رقم 62 من "كتاب الموتى"، والمعروفة باسم "شرب الماء في الجبانة"، والتي هدفت إلى ضمان حصول روح المتوفى أو "الكا" على الماء في العالم الآخر.

أما إلى يمين المدخل، فتظهر ثلاثة صفوف تصويرية تضم والدي باشيدو وعددًا من أقاربه، في مشاهد تعكس أهمية الروابط العائلية لدى المصري القديم.

ومن اللافت للنظر أن "مِنا"، ابن باشيدو، حمل اسم جده من جهة الأب، وهي عادة اجتماعية ما زالت مستمرة في المجتمع المصري حتى اليوم، حيث يُسمى الابن الأكبر غالبًا على اسم جده لأبيه.

تُعد مقبرة "باشيدو" رقم TT3 في دير المدينة واحدة من أجمل المقابر المصرية القديمة، لما تتميز به من زخارف دقيقة ومشاهد دينية تعكس مهارة الحرفيين الذين عملوا في المقابر الملكية بوادي الملوك.

وكان باشيدو أحد "خدام مكان الحق"، وهم الحرفيون المسؤولون عن تنفيذ وزخرفة المقابر الملكية خلال عهدي سيتي الأول ورمسيس الثاني، كما تولى لاحقًا منصب رئيس عمال الجانب الأيسر بالمقابر.

وتُظهر جدران المقبرة مشاهد دينية مميزة، من أبرزها تصوير المعبود "بتاح-سوكر" في هيئة صقر فوق قارب أسفل "عين الودجت"، إلى جانب مشاهد تعبّد ابني باشيدو "مِنا" و"كاها".

كما تضم المقبرة مشهدًا شهيرًا لباشيدو وهو يشرب الماء أمام شجرة دوم، في تجسيد للتعويذة رقم 62 من "كتاب الموتى"، والتي ارتبطت بضمان الماء للمتوفى في الحياة الأخرى.

وتكشف النقوش أيضًا عن مشاهد عائلية تضم والدي باشيدو وأقاربه، بينما تعكس تسمية ابنه "مِنا" على اسم جده استمرار بعض العادات الاجتماعية المصرية عبر آلاف السنين وحتى اليوم.