فن تطويع النخيل| «قفاصو المنيا» يصنعون منتجات الجريد من أيام الفراعنة

صور.. صناعة منتجات مختلفة من جريد النخيل
صور.. صناعة منتجات مختلفة من جريد النخيل


تشتهر محافظة المنيا، وخاصة قرى مثل: «المحرص» و«ريدة» و«طمبو» و«كوم مطاى» بصناعة منتجات مختلفة من جريد النخيل، وهى مهنة يدوية مُتوارثة يعود تاريخها إلى عصر الفراعنة ، يعتمد الحرفيون «القفاصون» على أدوات بسيطة مثل: السكين والبلطة، ليحولوا جريد النخيل إلى منتجات عملية وفنية متنوعة مثل: الكراسى والطاولات والأقفاص التى كانت يومًا ما العمود الفقرى لتخزين ونقل المحاصيل.

ما زالت هذه المهنة الفرعونية قادرة على إبهار كل من يراها بأصالة منتجاتها ودقة صناعها. 

فى هذا التقرير، نغوص فى تفاصيل هذه الحرفة، لنرصد تاريخها وأبطالها.. 

يقول محمد عمار، أحد القفاصين بقرية «ريدة»: «لا تقتصر شهرة النخيل على ثماره فقط، بل تمتد لتشمل كل جزء فيه، ويمكن إرجاع جذور هذه الصناعة إلى الحضارة الفرعونية، حيث استخدم المصرى القديم جريد النخيل فى صناعة العديد من مستلزمات حياته اليومية، المهنة تطورت عبر العصور لتصبح إحدى الحرف التراثية المهمة فى مصر».

وأكد محمود عباس ، 24 عامًا «قفاص» أن عدة قرى فى المنيا تشتهر بهذه الصناعة اليدوية، ولا يخلو منزل فيها من هذه المهنة، ويملأ الجريد والأقفاص الجاهزة «أحواشها» الواسعة، ويبرع صُنّاع قرية ريدة فى صناعة الأقفاص الصغيرة المُستخدمة فى جمع المحاصيل الزراعية ومزارع الدواجن».

فى إحدى «العشش» المقامة على جانبى ترعة الإبراهيمية بقرية المحرص، يجلس عم حمدى عبد السميع «65 عامًا» ممسكًا بـ «ساطوره»، ليؤكد أن هذه المهنة ما زالت «موجودة بقوة» فى القرى التى ينتشر فيها النخيل. يبدأ عم حمدى يومه مبكرًا فى السادسة صباحًا، مدركًا أن الجريد فى هذا الوقت يكون أكثر ليونة وقابلية للتشكيل، ويستمر فى العمل حتى المساء، وقد يتمكن من صناعة 20 قفصًا فى اليوم الواحد.

ورغم الجهد الكبير، إلا أن سعادته بهذه المهنة التى ورثها عن أجداده تدفعه للاستمرار، مؤكدًا أن إنتاجه بالكامل يُباع بالحجز. لكن عم حمدى حزين، فرغم محاولاته العديدة لتعليم الصنعة لأبنائه، إلا أنهم «رفضوا لصعوبتها وفضلوا مهنًا أخرى عليها».

وأكد شعبان عمران أن صناعة الأقفاص تتميز ببساطة أدواتها التى تعتمد على المهارة اليدوية أكثر من الآلات الحديثة ولا يحتاج «القفاص» إلى ورشة مُجهزة أو آلاتٍ باهظة الثمن، بل يمكنه العمل فى أى مكان، سواء كان حقلًا أو حتى غرفة صغيرة فى المنزل.

الأدوات الرئيسية تشمل: السكين: يُستخدم فى تنظيف جريد النخيل من السعف، والبلطة: وهى أداة حادة تُستخدم لتكسير وتقشير الجريد وتقطيعه إلى أطوال مختلفة، الخرامة وتُستخدم لعمل ثقوب فى عيدان الجريد لتثبيتها ببعضها، المسندة: هى قاعدة يتم الاستناد عليها أثناء العمل، الأسلاك الحديدية الرفيعة: تُستخدم لربط وتثبيت أجزاء القفص بعد تجهيزها.

وأكدت فتحية رمضان، 55 عامًا، صانعة الأقفاص: «أساعد زوجى فى المهنة لتوفير قوت يومنا»، وقالت: «تمر عملية تحويل جريد النخيل الخام إلى قفص متكامل بعدة مراحل أهمها: تركيب الأجزاء المثقوبة ببعضها بشكل مُرتب ومتناسق ليكوّن هيكل القفص، وهذه المرحلة دقيقة للغاية، فأى خطأ فى التركيب يُفسِد القفص ويُعاد تصنيعه من جديد»..

وتتميز منتجات الجريد بأسعارها الرخيصة مقارنة بنظيراتها البلاستيكية، مما يجعلها فى متناول الجميع، فى حين أن سعر القفص البلاستيكى قد يصل إلى 250 جنيهاً، فإن القفص المصنوع من الجريد لا يتجاوز سعره 50 جنيهاً. أما الكراسى والمناضد، فيتراوح سعرها بين 100 و170 جنيهاً.

فى الختام، تمثل صناعة الأقفاص من جريد النخيل فى المنيا أكثر من مجرد مهنة، إنها هوية ثقافية وتاريخية وإرث حى يقاوم النسيان. لكن بقاء هذا الإرث يتوقف على نظرة المجتمع والدولة له. 

إن دعم هذه الصناعة، وتسويق منتجاتها كبديل صديق للبيئة، وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها، هى خطوة ضرورية لضمان ألا تصبح حكايات «القفاصين» مجرد ذكرى فى كتب التاريخ، بل قصة حياة مستمرة تتجدد كل صباح.