سجون بأسوار زجاجية
قصة صناعة «الإدمان السلوكى» داخل مختبرات وادى السليكون
حين يصبح «وقتك» السلعة الأغلى فى بورصة التكنولوجيا
،، يوما بعد آخر، يزداد ارتباط الأفراد بوسائل التواصل الاجتماعي.. وهى التى ظن الناس فى البداية أنها تختصر الوقت والمسافات من أجل تعميق التواصل لكنها، بدلاً من ذلك، كرست العزلة ودمرت الروابط التقليدية بين المجتمع كما طالت الأسر، فبعدت المسافات بين أفراد الأسرة الواحدة حيث ينفرد كلٌ بهاتفه! .
فى مواجهة حروب المنصات الرقمية التى تستهدف تفكيك الوعى الجمعي، يفتح هذا الملف نافذة تحليلية على «القنابل الصامتة» التى تزرعها الخوارزميات لهدم الثوابت المجتمعية من الداخل، وتحول الفضاء الرقمى إلى «مربٍ بديل» يختطف الشباب، مروجاً لفردانية مطلقة وصدمات أخلاقية تعيد صياغة مفاهيم الأسرة والولاء الوطني، كما يكشف كواليس صناعة الإدمان السلوكي.
حيث يُباع وقت الإنسان كسلعة، مقابل اضطرابات نفسية ومعرفية حادة، بعد أن تحول المجتمع إلى «قطيع إلكتروني» يحركه الترند، بينما الجوانب الأكثر قتامة هى الانغماس غير المنضبط للمراهقين والشباب ما يحمل مخاطر أمنية وسلوكية بالغة الخطورة.
وفقاً لأرقام «داتا ريبورتال»، فإن أحدث التحليلات الصادرة تشير إلى أن عدد «هويات مستخدمي» وسائل التواصل الاجتماعى حول العالم بلغ نحو 5.66 مليار هوية مع بداية أكتوبر 2025، وهو رقم يعكس اتساعًا غير مسبوق فى انتشار هذه المنصات عالميًا، ونحو 259 مليون مستخدم جديد خلال عام واحد، بمعدل نمو سنوى يبلغ 4.87%، أى ما يعادل نحو 7.8 مستخدم جديد كل ثانية.
ومع الوقت تزايد الانتباه حول العالم إلى الآثار المروعة التى تسفر عنها هذه المنصات على الفرد العادي.. أما المستخدم النشط من الأفراد، فتكشف البيانات السلوكية أنه يتفاعل نحو 6.75 منصة مختلفة شهريًا، ويقضى فى المتوسط ساعتين و39 دقيقة يوميًا على وسائل التواصل، بما يشمل مشاهدة الفيديوهات والتصفح على منصات مثل يوتيوب وتيك توك انستجرام وفيسبوك.
لكن هناك نوع آخر من المستخدمين ممن أدمنوا بالفعل استخدام هذه التطبيقات.. وتشير بيانات حديثة نشرتها «مجموعة أديكشن» Addiction Group وهى جهة متخصصة فى تحليل أنماط الإدمان السلوكي، إلى أن مستخدمى وسائل التواصل الاجتماعى الذين يُظهرون أنماط استخدام قهرية أو ما يُوصف بـ»الإدمان السلوكي» يقضون وقتًا يفوق بكثير المتوسط العالمى لاستخدام هذه المنصات، وهو يتراوح بين 4 إلى 6 ساعات يوميًا.
إدمان
لكن الخطر هو التحول السلس للمستخدم العادى من حالة الاستخدام المتوسط إلى حالة الإدمان، وهو الذى بات يضع عمالقة التكنولوجيا والشركات المالكة لهذه التطبيقات محل اتهام وتحقيق ومحاكمات.
وفقًا لتقرير نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس حول تأثير الاستخدام المفرط للشاشات والسلوك القهرى المرتبط بالتكنولوجيا، فإن هذه المنصات صممت بطريقة تجعل المستخدم يعود إليها باستمرار، فهى تستخدم ما يُعرف بـ»آليات المكافأة المتقطعة»، مثل الإعجابات، التعليقات، والإشعارات، وهى عناصر تنشط نظام المكافأة فى الدماغ بطريقة تشبه ما يحدث فى بعض السلوكيات الإدمانية، إضافة إلى ظاهرة «الفومو» وتعنى الشعور بالقلق والتوتر بسبب الخوف من تفويت تجارب أو أحداث أو فرص يعيشها الآخرون، دون أن يطلع المستخدم عليها وهو ما يؤدى إلى مزيد من الاستخدام وزيادة الوقت المخصص للمنصات من جانب المستخدم.
كما أن عوامل شخصية تلعب دورًا مهمًا، مثل الوحدة، القلق، أو الملل، حيث قد يلجأ بعض الأشخاص إلى وسائل التواصل كوسيلة للهروب أو الترفيه المستمر.
ووفقًا لدراسة بعنوان « التعامل مع العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعى والصحة النفسية فى العصر الرقمي» نشرتها سبرينجر فى أكتوبر ٢٠٢٥، فإن من أبرز المخاطر النفسية المرتبطة بالمنصات هو المقارنة الاجتماعية، حيث يميل المستخدمون إلى مقارنة حياتهم بالصور المثالية التى ينشرها الآخرون، مما يخلق شعورًا بالنقص وعدم الرضا عن الذات، كما أن الاستخدام الليلى أو المفرط قد يؤثر سلبًا على النوم، ويزيد من التوتر وفقدان التركيز.
وتوضح مقالة منشورة فى كلية ستانفورد للحقوق بعنوان «إدمان وسائل التواصل الاجتماعى والصحة النفسية: القلق المتزايد بشأن رفاه الشباب» أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعى أصبح مصدر قلق متزايد على صحة الشباب النفسية، وتشير المقالة إلى أن ما يُعرف بـ«الإدمان السلوكي» على هذه المنصات يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب لدى المراهقين، إضافة إلى ضعف القدرة على التركيز وتراجع الأداء الدراسى والاجتماعي.
وتوضح الدراسة أن تصميم المنصات الرقمية يعتمد على آليات مثل التمرير اللانهائى والإشعارات المستمرة، وهى عناصر تهدف إلى زيادة مدة الاستخدام، لكنها قد تعزز السلوك القهري/الإدمانى لدى بعض المستخدمين.
ووفقًا للباحثين، فإن تأثير وسائل التواصل الاجتماعى على الصحة النفسية لا يعتمد بذلك فقط على الاستخدام ومعدل التعرض، بل على كيفية التفاعل مع المحتوى، وتكرار المقارنة، ودرجة ارتباطها بالذات، مما يستدعى تعزيز الوعى الرقمي.
وتشير دراسة صادرة عن UC Davis Health التابعة لجامعة كاليفورنيا إلى أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعى لا يقتصر تأثيره على الصحة النفسية فقط، بل يمتد أيضًا إلى مجموعة من الآثار العقلية والمعرفية التى قد تؤثر على الأداء الذهنى اليومي.
وبحسب الدراسة، فإن أحد أبرز هذه الآثار يتمثل فى ضعف التركيز والانتباه نتيجة التعرض المستمر للإشعارات وتدفق المحتوى السريع، مما يجعل الدماغ فى حالة تنقل دائم بين المثيرات المختلفة، كما تشير إلى أن هذا النمط من الاستخدام قد يؤدى إلى تشتت ذهنى متكرر وإجهاد معرفى بسبب الاستهلاك المستمر للمعلومات دون فترات كافية للراحة الذهنية.
وتوضح الدراسة أيضًا أن الإفراط فى استخدام هذه المنصات قد يرتبط بـانخفاض القدرة على المعالجة العميقة للمعلومات، نتيجة الاعتياد على التصفح السريع، إضافة إلى زيادة الميل إلى الاندفاعية فى التفاعل واتخاذ القرارات السريعة دون تفكير كاف، وقد تتفاقم هذه التأثيرات بشكل غير مباشر عندما يقترن الاستخدام المفرط باضطرابات النوم، مما يزيد من الإرهاق الذهنى ويؤثر على الأداء اليومي..
ويوصى الباحثون بأن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تعاونًا مشتركاً بين الأسر، والمدارس، وشركات التكنولوجيا، وصناع السياسات، بهدف تقليل المخاطر وتعزيز الاستخدام الآمن والمتوازن للمنصات الرقمية.
تشريعات ومحاكمات
وكانت عدة دول قد بدأت الانتباه إلى الآثار المدمرة المحتملة للمنصات على المجتمعات.. وتشهد عدة دول حول العالم تحركات متسارعة لفرض قيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، فى ظل تزايد المخاوف من تأثيراتها على الصحة النفسية والسلوك الرقمى للقُصّر.
وفى مقدمة الدول التى اتخذت خطوات تشريعية، أقرت فرنسا قانونًا يُلزم بالحصول على موافقة أولياء الأمور لاستخدام المنصات لمن هم دون 15 عامًا، بهدف تعزيز الرقابة الأسرية على النشاط الرقمي، كما تطبق الصين نظامًا صارمًا يفرض قيودًا على مدة الاستخدام والمحتوى المتاح للقاصرين، ضمن سياسة أوسع لتنظيم الفضاء الرقمي.
وفى كوريا الجنوبية، تم اعتماد تشريعات لحماية القُصّر تشمل التحقق من العمر وتقييد الوصول إلى بعض الخدمات الرقمية، فى إطار قوانين السلامة الإلكترونية.
وفى المملكة المتحدة، يتصاعد الجدل حول تشديد قوانين السلامة على الإنترنت، أما فى الولايات المتحدة، فتتباين السياسات بين الولايات، حيث تدرس جهات تشريعية رفع سن الاستخدام إلى 16 عامًا أو اشتراط موافقة الأهل.
وتُعد أستراليا من أبرز الدول التى تبحث خطوات متقدمة فى هذا الاتجاه، إذ تناقش الحكومة فرض حد أدنى قد يصل إلى 16 عامًا، كما تدرس النرويج رفع سن الاستخدام من 13 إلى 15 عامًا، بينما تناقش هولندا سياسات تهدف إلى تأخير استخدام الأطفال للمنصات.
وفى اليونان، تُخطط الحكومة لمنع الاستخدام لمن هم دون 15 عامًا بدءًا من 2026-2027 بهدف حماية الأطفال من القلق واضطرابات النوم والمحتوى الضار، كما تعمل الدنمارك على قانون مشابه يمنع الاستخدام تحت سن 15 عامًا، ولا يزال قيد الإقرار التشريعي، وفى إسبانيا، يُقترح حظر الاستخدام لمن هم دون 16 عامًا مع اشتراط موافقة الوالدين.
وعلى مستوى أوسع، تعتمد دول الاتحاد الأوروبى على «اللائحة العامة لحماية البيانات» (النظام الأوروبى لحماية البيانات)، التى تحدد سن الموافقة الرقمية بين 13 و16 عامًا، مع اشتراط موافقة أولياء الأمور لمن هم دون ذلك.
عبد العاطى يدعو المستثمرين لتعزيز تواجدهم بمصر
163 ألف طالب وطالبة يخوضون امتحانات الثانوية الأزهرية
100 خريج فى هندسة عين شمس بسوق العمل الأوروبى







