غاب عن دنيانا الكاتب الكبير والقاص والروائى العظيم د. يوسف إدريس فى أول أغسطس 1991 عن عمر يناهز 64 عامًا، وكان يوم رحيله يومًا حزينًا لأنه مِن أَهَمِّ المفكرين والرِّوائيِّينَ الَّذِينَ أَنجَبتْهم مِصر للأمة العربية والعالم الذى قرأ أعماله مُترجمة بعدة لغات، واستحق من الجميع لقب «تشيخوف العرب» نِسبَةً للأَدِيبِ الرُّوسِيِّ الكَبِيرِ «أنطون تشيخوف».
يوسف إدريس من مواليد 19 مايو 1927 بقرية « البيروم « بمحافظة الشرقية، وبدأ نضاله السياسى ضد الاحتلال البريطانى عندما كان سكرتيراً لِلجنة الدفاع عَنِ الطلبة، ومن أجل القلم والفكر والإبداع استقال من عمله بقصر العينى بعد 9 سنوات من تعيينه ليتفرغ للكتابة بجَرِيدةِ «الجُمْهورِية» التى انتقل منها إلى جرِيدةِ «الأَهْرامِ»، وكتب الكثير عن الجولات والزيارات التى قام بها فى اليابان وأمريكا ودول أوروبية وآسيوية، وأصبح مؤثراً ومعروفاً بكتاباته وإبداعاته التى جعلته ينال وِسام الجزائر، ووِسام الجُمْهورية مرتين، وجائزة عبد الناصر فى الآداب، ووِسامِ العُلومِ والفُنونِ مِنَ الطَّبَقةِ الأُولى، وجائزة صدام حسين للآداب، وجائزة الدولة التقديرية، وأصبح مدرسة بذاته بما قدمه من إبداعات فى ريادته للقصة القصيرة بداية من قصة «أنشودة الغرباء» عام 1950، ومجموعاته القصصية «أرخص ليالى» التى تلتها مجموعات أخرى ومنها: « حادثة شرف - النداهة - وأقتلها»، و»مجموعات وروايات أخرى»، وتميز فى خلق مسرح مصرى جديد كما فى «المخططين - الفرافير- البهلوان- ومسرحيات أخرى»، وتحول عدد كبير مِن أَعمَالِهِ إِلى أَفلَامٍ سِينمائِية مِنْها: «الحرام - لا وقت للحب - العيب - قاع المدينة - وأفلام أخرى»، وشغل الدنيا بمعاركه الأدبية والسياسية والدينية الجريئة إلى أن لقى ربه .
وعندما نحيى ذكرى غيابه الـ 35 التى تتوافق مع الحج وعيد الأضحى المبارك الذى نعيش بهجته فى اليوم الثانى منه، نقدم الصورة الروحانية المغايرة تماماً لما كتبه البعض عنه كان كاتباً يسارياً، وكأن اليسارى لا يعرف الله ولا مكان للدين فى حياته، فها هو د. يوسف إديس يقول فى مقال بعنوان «عُمرة كاتب» فى كتابه «إسلام بلا ضفاف »:
- « كانت تدور فى رأسى أفكار وأنا أرتدى ملابس الإحرام فى طريقى للصلاة فى الحرم وزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبَيْه أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما فأرضاهما، وقفت أمام مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وجموع المسلمين تتدافع لتلقى على بابه وعلى مقامه نظرة شوقٍ طال، وشفاعة مكتومة فى النفس، كل منهم يبوح له صلى الله عليه وسلم بمكنون قلبه وبدعاءٍ له ولوالديه ولأولاده وعائلته، ومثلما كانوا يَدْعُون دَعَوْت، ولم يكن الدعاء سهلًا، فقد كان عليَّ أن أفرغ نفسى تمامًا من كل اهتماماتها الشخصية والدنيوية، كان عليَّ أن أطهر قلبي، وأفسح صدري، وأمسح كل ما يزدحم فى رأسى من قلق، ولم يكن الأمر سهلًا، فما كان يشغلنى عُمْره أحقاب وأحقاب، طبقات فوق طبقات من هموم عامة وخاصة، من خوف غريب من المستقبل، من تشاؤم يكاد يطبق على بصيرتى وبصري، كان عليَّ أن أتطهر وتعود نفسى بريئة كنفوس الأطفال الرضع، جديدة وكأن لم يمسها سوء ولا فعلتْ سوءًا، وأنا مستغرق فى دعائى لنفسى ولأسرتى وحتى لأصدقائي، هبط عليَّ خاطر كأنما هو مُنزَّل من أعلى عِلِّيِّين، وماذا يا يوسف لو استجاب الله لدعائك وحفظ عليك صحتك وعلى أسرتك سعادتها وعلى أصدقائك حياتهم ؟! أهذا هو منتهى الوصول؟! وما فائدة أن تحل البركة والخير على تلك المجموعة الصغيرة من الناس، فى مجتمع يعانى وبين مصريين يتحملون ما لا طاقة لهم به ؟!
ويستطرد قائلاً : دنوت إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ورأيته فى ضوء آخر تمامًا، هذا إنسان من بنى البشر اصطفاه الله جل جلاله ليكون رسولًا ومبشرًا بالإسلام العظيم، فماذا فعل ؟ لم يكتفِ بتبليغ الرسالة إلى أولى القربى منه أو إلى قريش، وإنما جعل همه كله سعادة البشر فى الجزيرة وفى الدنيا كلها، وآمن بهذا إيمانًا جعله يتحمل الأذى ويتحمل النفى والهجرة ويحارب ويقاتل المشركين الضالين، رجل واحد بمفرده وبقوة من عند الله، ولكن بإيمان يجلُّ عن الوصف استطاع أن يغير أناسًا يعيشون فى عصر الوثنية والبداوة والجاهلية الأولى يعبدون أصنامًا من الحجر، إلى قوم صنعوا أمة من أعظم أمم الأرض، قوم استطاعوا أن يهزموا أكبر إمبراطوريتين فى عصرهما يقابلان القوتين العظميين فى عالم اليوم، يحطمون ديوان كسرى، ويقوضّون عرش إمبراطور الرومان، وينشرون مبادئ الإسلام السمحة من بواتييه فى فرنسا إلى الصين فى أقصى الشرق.
ويواصل مستطرداً : وأنا أطوف بالكعبة وأرى الناس سودًا وبيضًا، صينيين وأوروبيين، مشارقة ومغاربة، من نيجيريا إلى إندونيسيا، نلتف جميعًا حول الكعبة ونصلى المغرب، يا له من مشهد غريب فريد فى بابه يشرح القلب ! آلاف مُؤلفة من الناس يحمدون الله ويركعون ويسجدون ويُسَبِّحون ويستغفرون، كان منظرهم يخلع القلب فرحًا، ويجعلك تنتقل من انتماءاتك المحدودة فى عائلتك أو فى بلدك إلى انتماء أشمل وأكبر، الانتماء الأكبر إلى المحيط الإسلامى الواسع، وتحس بآلامك ومخاوفك تذوب تمامًا فى هذا المحيط، وتبدأ نفسك كالماء المُعكر بالطين حين يروق ويروق حتى يصبح أصفى من الماء المُقطر، من نقاوة وحلاوة ماء زمزم.
ويقول : صليت ركعتين فى الروضة الشريفة، وارتكنت إلى عمود من أعمدة الحرم النبوى الشريف، أرقب الإيمان مُجسدًا على الوجوه، يا لحلاوة الإيمان حين يُكسِب الوجهَ البشرى جمالًا نابعًا من القلب، وموجَّهًا إلى المولى سبحانه، وجاءتنى مصر وأنا مرتكن أمارس متعة الابتهال بلا صوت، والتأمل بلا انقطاع، جاءتنى مصر بشعبها ومشاكلها، بحاضرها ومستقبلها، ورحت أدعو للشعب المصري، بَنِى وطني، أن يزيد الله نِعَمه، إنه القادر القوى المعين، ما فائدة أن أكون قد دعوتُ لعائلتى ولنفسى أن يخلصنا من أزماتنا وقلقنا ونحن نحيا مع شعبٍ واقع فى الأزمات والقلق؟ ما فائدة أن تكون سعيدًا صحيحًا فى مجتمع يعانى ؟ وما فائدة أن يرزقك الله بالملايين فى شعب يعيش على حافَة الفاقة؟ إن المسلم الحقيقى لا يسعد إلا فى مجتمع مكتمل السعادة ترفرف فيه السكينة على الجميع، ظللت أدعو وأدعو حتى وجدتُنى أبكى بكاءً لم يحدث لى من قبل، فهو ليس بكاء حزن، وليس بكاء إشفاق على النفس والشعب، وليس بكاء مذلة وإحساس بالضيم، ولكنه بكاء المحب لحبيب، البكاء الواصل بين الله سبحانه والإنسان، البكاء المُستلهم من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، بكاء المتأمل فى الآيات البينات التى أوحى الله بها وغمرت الدنيا من أقصاها لأقصاها، يا رب لا تمنحنى الصحة وشعبى مريض، ولا تمنحنى الرزق الوافر وشعبى يشكو الفاقة، ولا تمنحنى سلامة النفس وشعبى يطحنه القلق، وأنزِلِ اللهمَّ السكينة على قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، يا لها من آية كريمة معجزة المعنى، ظللتُ أرددها دون أن أعي، وكأنما بقدرة قادر وبإملاء قادر: «هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ»، أنزِلِ اللهمَّ السكينةَ على قلوبنا، وألهِمنا الصواب، وأخرِجنا بفضل قدرتك ورحمتك من مآزقنا، وهيئ لنا من أمرنا رَشَدًا، إنك أنت السميع المجيب الوهَّاب.
وكان د. يوسف إدريس يعتبر الحج لبيت الله الحرام يجسد عالمية الإسلام، ولم يتناول عيد الأضحى فى كتاباته كطقس دينى أو فقهي، بل تناوله فى تساؤل خفى «لمن يكون العيد حقاً ؟»، فوظف مشهد شراء وتوزيع لحوم الأضاحى ليبرز الفجوة بين الطبقات، واهتم بصفته طبيباً نفسياً بتحليل مشاعر الفرح والحزن الخفية لدى أبطال قصصه فى أيام العيد الذى يظل فرحاً مؤقتاً يخفى وراءه أحلاماً مُجهضة عند الفئات التى تحاول انتزاع الفرح رغماً عن ظروفها.

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







