كنوز| كامل الشناوى يرثى أسمهان

كامل الشناوى  --  أسمهان
كامل الشناوى -- أسمهان


 فيم هذه الضجة حول أسمهان ! فيم هذا الالتفات الى أنبائها حية، وفيم هذا الحزن عليها بعد ما فارقت الحياة ؟ ألانها أسمهان المطربة، ألانها أسمهان الممثلة، ألانها أسمهان الفاتنة، ألانها أسمهان الأميرة ؟ 

كلا .. كانت عناية الناس بها لأنها فنانة عاشت فى الفن وعاش فيها الفن، وازدحمت أيامها القصار بحوادث عنيفة تصارع فيها الحب، والمجد، والتمرد، والرضوخ، والموت، والحياة لو أن كاتباً، او شاعراً جاد خياله بقصة أسمهان لاستطاع أن يجلس مطمئناً بين الطليعة من الكتاّب أو الشعراء، ولما وجد له النقاد مأخذاً إلا أنه بالغ فى هذه الصور المتلاحقة من الدم والدموع ! ولكن هكذا كانت حياة أسمهان، وهكذا كان هوتها : مبالغة قاسية !

هربت أسمهان الى مصر مع أسرتها نجاة من الثورة فى جبل الدروز، ثم رجعت إلى الجبل أميرة فى الجبل، ثم اشتغلت بالفن، ولم تلبث أن اعتزلته وعادت أميرة كما كانت، ولكن للفن سلطان دونه كل سلطان فسرعان ما اجتذبها اليه، ووقفت النظم الرسمية حائلاً دون عودتها الى مصر، وكانت هى تشتهى مصر وتمنى نفسها بالحياة والموت فيها، فبنت لها بيتاً، وأعدت مقبرة ! ولقد أعانتها الأقدار على تحقيق أمنيتها فدخلت مصر واستظلت بمائها، ودُفنت فى ترابها، وفى هذا الأمد القصير جرى لها من الأحداث ما يجعلها فى عداد بطلات المآسى التاريخية، فكان لها صوت يفيض شعوراً، وحرارة وشجناً، كانت ترزح تحت عبء ضخم من جمالها وخفة روحها ! وكم جنى عليها حسنها، وقست عليها رقتها ! 

كانت تبدو باسمة مستخفة فى حين كانت تترنح من الضربات العنيفة التى يصبها عليها المجد حيناً، والفن حيناً، وغير المجد والفن أحياناً، وأراد القدر المظل أن يتقلص، وللروض أن يذوى، وللطائر أن يصمت، والجدول أن يفيض، فأرسل الموت إلى أسمهان ليختطفها فى صورة تليق بحياتها الحافلة بالعجب، خرجت من بيتها وفى شبابها ونضارتها كل أسباب الحياة، ثم عادت وآسفاه جثة هامدة هشمتها السيارة ولطختها مياه «الترعة»!

وسارت جنازة أسمهان تتزاحم فيها الدموع والآهات من أحبابها وحاسديها معاً، ولو كان للموت أذن یا أسمهان لأثر فيه صوتك العذب وانتِ تتأوهين من لطمة القدر، ولو كان للموت قلب لانشيت فيه عينيكِ فتمهل !.. ولكنه الموت يا أسمهان، يا لحناً لم يتم، يا حلماً بددته يقظة الصباح، ما على القدر لو ترك اللحن يتم، وما عليه لو قال للصبح تريث !

 كامل الشناوي «آخر ساعة» 18 يوليو 1944