الكلاب الضالة| بين الرحمة واستئصال الخطر.. أزمة تثير الجدل فى الشارع المصرى

اللواء د. أشرف السعيد - د. حمدى عرفة - د. شهاب الدين عبد الحميد- الشيخ سعيد عبد الدايم
اللواء د. أشرف السعيد - د. حمدى عرفة - د. شهاب الدين عبد الحميد- الشيخ سعيد عبد الدايم


اتهامات متبادلة تشتعل.. و«الطرف الثالث» فى قلب العاصفة

الصحة:  1.4 مليون حالة عَقر فى 2025 مقابل 20 ألفًا فى 2011

خبراء: متعاطفون مع الرفق بالحيوان يتحملون جزءًا من المسئولية عن تفاقم الظاهرة

رئيس جمعية: 40 مليون كلب فى الشوارع.. و«الإطعام الجاهز» يرفع درجة الشراسة

ونجوى الفضالى

 

فى شوارع تضج بالحياة والزحام، لم تعد الكلاب الضالة مجرد مشهد عابر فى الشارع المصرى، بل تحولت إلى أزمة مفتوحة تتقاطع فيها الرحمة بالخوف، والرفق بالحيوان بمطالبات فرض السيطرة على ظاهرة باتت تهدد الأمن المجتمعى وتثير انقسامًا واسعًا فى الشارع.

إقرأ أيضاً|  «عضو النواب» يطالب الحكومة بسرعة تنفيذ آلية مكافحة الكلاب الضالة

فبين طفل يهرب مذعورًا من مطاردة قطيع كلاب، ومواطن يمد يده بالطعام باعتباره فعل رحمة، تتكشف أزمة تجاوزت حدود الجدل التقليدى، مع تصاعد حوادث العقر والنهش وارتفاع الأصوات المطالبة بحلول حاسمة توازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان.

وفيما تتبادل الأطراف الاتهامات حول أسباب تفاقم الظاهرة، يحمّل خبراء ما يصفونه بـ»الطرف الثالث» أو «المغالين فى الرفق بالحيوان» جزءًا من مسئولية زيادة أعداد الكلاب وتغير سلوكها، فى مقابل تحذيرات من خطورة اللجوء إلى القتل العشوائى أو الحلول غير العلمية.

وبين دعوات الإيواء والتعقيم، ومطالب المكافحة والسيطرة، يبقى السؤال مطروحًا بقوة..

إقرأ أيضاً|  نائبة تطالب بخطة فورية لمواجهة خطر الكلاب الضالة وحماية المواطنين

كيف يمكن إنهاء واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل فى الشارع المصرى دون أن يدفع الإنسان أو الحيوان الثمن؟
 

فى البداية، يقول د. شهاب الدين عبد الحميد، الطبيب البيطرى ورئيس مجلس إدارة جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة، إن مصر تُعد من أوائل دول العالم التى طبّقت معايير الرفق بالحيوان، مؤكدًا أن هذا النهج ليس جديدًا على الدولة المصرية أو ثقافتها المجتمعية، فى ردٍ على ما وصفه بمحاولات المزايدة على موقف مصر فى هذا الملف.

وأوضح أن الخديو توفيق أنشأ عام 1895 أول جمعية للرفق بالحيوان فى مصر، والتى تُعد ثالث جمعية من نوعها عالميًا بعد الجمعيتين الإنجليزية والأمريكية، قبل أن يتم إنشاء 22 فرعًا للجمعية على مستوى الجمهورية.

وأشار إلى أن مظاهر الرفق بالحيوان متجذرة فى الحضارة المصرية القديمة، من خلال اهتمام الفراعنة بالحيوانات وتجسيدها على التيجان وكراسى العرش والأختام وجدران المعابد، فضلًا عن توثيق طرق علاجها، معتبرًا أن هذا التاريخ الطويل يعكس جذور الاهتمام المصرى بالحيوان عبر العصور.

وعن أزمة الكلاب الضالة، أكد د. شهاب أن تصاعد الحديث عنها خلال السنوات الأخيرة يرجع إلى الزيادة الكبيرة فى أعدادها بالشوارع، وهو ما دفع الجمعية عام 2014 إلى الاستعانة بالجمعية العالمية للرفق بالحيوان «الويسبا» لإجراء حصر مبدئى ودراسة حجم الظاهرة.

وأضاف أنه تم توقيع بروتوكول تعاون لتنفيذ الدراسة، التى كشفت عن زيادة تتراوح بين 300% و500% مقارنة بالمعدل الطبيعى، بما يعادل نحو 15 مليون كلب زيادة عن الأعداد المفترضة.

إقرأ أيضاً|  محافظ المنوفية يتابع آليات التعامل مع ظاهرة الكلاب الضالة 

وأرجع رئيس الجمعية أسباب الزيادة الكبيرة فى أعداد الكلاب الضالة إلى وقف بعض الوسائل التى كانت تُستخدم سابقًا للحد من الأعداد، خاصة المريضة منها، مثل الخرطوش والاستركنين، مشيرًا إلى أن وقف هذه الإجراءات جاء - بحسب قوله - تحت ضغط ما وصفهم بـ«مدّعى الرفق بالحيوان»، وهو ما ساهم فى الوصول إلى الوضع الحالى. وأضاف أن الأزمة تتفاقم أيضًا بصورة طبيعية نتيجة معدلات التكاثر المرتفعة، موضحًا أن أنثى الكلب تلد فى المتوسط ما بين 16 و20 جروًا سنويًا، ما يؤدى إلى تضاعف الأعداد بوتيرة سريعة.

40 مليون كلب

وأكد أن التقديرات الحالية تشير إلى تجاوز أعداد الكلاب الضالة حاجز 40 مليون كلب فى مصر، معتبرًا أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على صحة وسلامة المواطنين، مستشهدًا بإحصاءات وزارة الصحة التى سجلت نحو مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام 2025، مقارنة بنحو 20 ألف حالة فقط فى عام 2011، وهو ما وصفه بأنه مؤشر خطير على حجم تفاقم الأزمة خلال السنوات الأخيرة.

وفى سياق متصل، أشار د. شهاب إلى ما وصفه بـ«تصاعد المبالغة فى مفاهيم الرفق بالحيوان» خلال الفترة الأخيرة، معتبرًا أن بعض التحركات تتم - بحسب تعبيره - لأهداف خاصة، وتؤدى إلى خلق حالة من الصدام بين المجتمع والدولة، بما يعقد جهود السيطرة على الظاهرة.

واستشهد بما حدث فى محافظة بورسعيد، حيث قال إن بعض الأشخاص هاجموا «الشلاتر» الرسمية التى أُنشئت لتجميع الكلاب الضالة، وقاموا بإطلاقها مجددًا إلى الشوارع، كما انتقد ظاهرة إطعام الكلاب بشكل عشوائى، خاصة عبر سيارات محملة بمخلفات الدجاج فى المدن الجديدة، معتبرًا أن هذه الممارسات تسهم فى تفاقم المشكلة وتشكل خطرًا على المجتمع.

مخالف للطبيعة

ويؤكد الطبيب البيطرى، أن تقديم الطعام الجاهز وبشكل مكثف يغير من سلوك الكلاب الطبيعى، حيث كانت تعتمد على البحث عن طعامها من القمامة ومخلفات المطاعم أو الصيد مما يعزز التوازن البيئى، ولكن الإطعام الجاهز العشوائى يجعلها أكثر عدوانية عند التعرض للجوع، بعد أن اعتادت الحصول على الطعام دون مجهود، ولم تعد تمارس دورها الطبيعى فى المعالجة البيئية والحد من القوارض.

وأضاف أن هناك شكوكًا فى أن هذا التغير السلوكى يفسر تكرار حالات العقر بشكل متزايد وقد يكون وراء ازدياد ظاهرة «هياج» الكلاب خلف أى شىء متحرك مثل السيارات أو الدراجات أو حتى المارة بسبب العشوائية فى الإطعام، وأشار إلى أن السوشيال ميديا لها دور فى خلق حالة من العناد بين الفئتين دون النظر للصالح العام.

خلل فى التوازن البيئى

وتقول تغريد فاروق، المفوضة بجمعية حقوق الحيوان، إنه يجب التفرقة بين الكلب المسعور والكلب الشرس، موضحة أن الكلب المسعور غالبًا ما يكون منفردًا بعيدًا عن القطيع، وتظهر عليه أعراض المرض قبل أن ينفق خلال أسبوع أو عشرة أيام، مؤكدة أن هذا النوع يستوجب التعامل معه وقتله بشكل رحيم حفاظًا على سلامة المواطنين.

أما الكلب الشرس - بحسب وصفها - فهو فى الغالب حيوان تعرض لعنف مباشر أو معاملة قاسية، ما يجعله يخشى الإنسان، خاصة الأطفال أو الأشخاص الذين يحملون العصى أو يقودون دراجات نارية، فيندفع لمهاجمتهم بدافع الخوف، مؤكدة أن هذا النوع لا يجوز قتله بشكل عشوائى.

وترى تغريد أن الحيوان هو «الضحية الأضعف» فى هذه الأزمة، بعدما تحول فجأة إلى محل صراع بين مؤيد ومعارض، رغم أنه - بحسب تعبيرها - لا يسعى سوى للبقاء والبحث عن الطعام كما اعتاد سابقًا.

وتضيف أن بعض المتعاطفين مع الكلاب يضرونها عبر الإفراط فى إطعامها، ما يجعلها تعتاد على البشر ولا تثق إلا بمن يقدم لها الطعام، بينما يلجأ آخرون إلى قتلها أو إلقائها فى الصحراء بطرق قاسية.

وأكدت أن القضاء الكامل على الكلاب الضالة قد يؤدى إلى خلل فى التوازن البيئى، نظرًا لدورها فى الحد من انتشار القوارض وردع الثعالب، خاصة فى المدن الجديدة، فضلًا عن كونها تمثل - فى بعض المناطق - عامل ردع للصوص والمتسللين.

ومن جانبه، يرى اللواء د. أشرف السعيد، مساعد وزير الداخلية الأسبق لشئون المعلومات، أن أزمة الكلاب الضالة تجاوزت كونها مجرد خلاف بين متضررين من هجماتها ومتعاطفين مع حقوق الحيوان، معتبرًا أنها أصبحت - فى بعض صورها - أداة يمكن استغلالها ضمن ما يُعرف بحروب الجيل التاسع، من خلال تأجيج الجدل المجتمعى وتصعيد حالة الانقسام داخل الشارع المصرى.

وأوضح السعيد أن الدولة بدأت بالفعل اتخاذ خطوات لمواجهة الظاهرة عبر إنشاء ملاجئ ومراكز إيواء للكلاب الضالة فى بعض المحافظات، مثل القاهرة وبورسعيد، رغم ما تتطلبه هذه المشروعات من تكاليف مرتفعة تشمل تجهيز أماكن الإيواء، وتوفير الأطباء البيطريين والعمالة المتخصصة والأدوية والرعاية اللازمة، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا حال تعميم التجربة على مستوى الجمهورية.

وشدد مساعد وزير الداخلية الأسبق على ضرورة تبنى حلول عملية للحد من التكاثر، من بينها فصل الإناث عن الذكور كوسيلة لـ«التعقيم الطبيعى»، خاصة فى ظل ارتفاع تكلفة التعقيم الطبى التى تصل - بحسب تقديره - إلى نحو 3 آلاف جنيه للكلب الواحد، إلى جانب نقل الكلاب بعيدًا عن الكتل السكنية إلى مناطق صحراوية أو مراكز إيواء مخصصة تمنع عودتها إلى الشوارع.

سوء إدارة

ومن جانبه، انتقد د. حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير البلديات الدولية، ما وصفه بسوء إدارة ملف الكلاب الضالة داخل المحليات، مؤكدًا أن المسئولية القانونية والتنفيذية تقع - وفق قانون الإدارة المحلية - على عاتق المحافظين والمديريات الخدمية، وليس هيئة الخدمات البيطرية وحدها.

وأشار إلى أن غياب المتابعة فى القرى والنجوع، وضعف الإمكانيات، وعدم وجود حلول مبتكرة، ساهم فى تفاقم الظاهرة حتى أصبحت تهدد المواطنين بشكل واضح، لافتًا إلى وجود تفاوت كبير فى تقديرات أعداد الكلاب الضالة، التى تتراوح - بحسب جهات مختلفة - بين 8 و40 مليون كلب..

وأوضح أن محافظات البحيرة والقاهرة والشرقية والجيزة تُعد الأعلى فى معدلات حوادث العقر، بينما تسجل محافظات الحدود النسب الأقل، معتبرًا أن الأزمة فى مصر تحولت من الاستفادة من الكلاب فى الحراسة والخدمات إلى انتشار عشوائى داخل الشوارع..

وأضاف أن الخطر يتضاعف مع غياب مراكز السموم عن معظم القرى المصرية، حيث تقتصر مراكز علاج السموم على نحو 20 مركزًا فقط على مستوى الجمهورية، ما يؤخر إسعاف المصابين بالسعار، خاصة فى المناطق الريفية..

ولاحتواء الأزمة، دعا عرفة إلى تشكيل لجان دائمة داخل المحافظات تضم الصحة والطب البيطرى والزراعة والمحليات، بالتنسيق مع جمعيات الرفق بالحيوان، لوضع خطة قومية واضحة، إلى جانب الاستعانة بشركات متخصصة للتعامل مع الكلاب الضالة، ودراسة بعض الحلول غير التقليدية للتعامل مع الأعداد المتزايدة.

لا ضرر ولا ضرار

ومن الجانب الدينى، يؤكد الشيخ سعيد عبدالدايم، من علماء الأزهر الشريف، أن وجود الكلاب وغيرها من الحيوانات له حكمة بيئية قدّرها الله، من بينها المساهمة فى الحد من الأفاعى والعقارب بالمناطق الصحراوية، إلا أن التكاثر غير المنضبط - بحسب تعبيره - يؤدى إلى اختلال هذا التوازن..

وحذر من ظاهرة الإطعام العشوائى للكلاب فى الشوارع، مؤكدًا أن الشريعة وضعت ضوابط واضحة تمنع الإضرار بالناس، استنادًا إلى قواعد فقهية كبرى، أبرزها: «لا ضرر ولا ضرار»، و«درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، مشيرًا إلى أن حماية المواطنين من الترويع وحوادث العقر أولى من تحقيق مصلحة إطعام الحيوانات فى الطرقات..

وأضاف أن إلقاء بقايا الطعام والفضلات فى الشوارع يتسبب فى تلوث بيئى وبصرى، كما يجذب القوارض والحشرات، فضلًا عما يسببه من أذى للمارة والمصلين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.