يوميات الأخبار

طقوس التفاعل الاجتماعى فى حى السيدة

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


الاهتمام بالجسد فى العلوم الاجتماعية بعامة وعلم الاجتماع خاصة، يؤسس لفهمٍ أعمق لطبيعة التفاعل الإنسانى الذى لا يمكن أن يوجد أصلًا دون هذا الجسد الذى تصدر عنه كل أشكال التفاعل.
 

ذكرى رضوان الكاشف

ينتمى رضوان الكاشف إلى جيلٍ لم يكن يملك إلا الأحلام فى زمنٍ سادت فيه الكوابيس. جيل حال تقديم صياغة لحلمه، من خلال جماعة «السينما الثالثة»، التى تقف ضد التسلية الهوليودية والسينما الدعائية الجوفاء فى آنٍ واحد. انتمى إلى الجماعة التى ضمت محمد كامل القليوبي، وسيد سعيد، ويسرى نصر الله، ومجدى أحمد علي، وآخرين.

كان رضوان الكاشف واحدًا من فصيلة السائرين فوق السحاب. مرَّ فى حياتنا فأمطر فنًا ونبلًا، ثم واصل الرحلة، وعبرَ إلى الضفة الأخرى حيث الخلود.

وُلِدَ بعد أسبوعين من قيام ثورة 23 يوليو 1952، وتوفى يوم الخامس من يونيو 2002، فأى دلالات ليوم مولده ويوم وفاته!
ترك لنا رضوان الكاشف سبعة أفلام (4 أفلام قصيرة و3 أفلام طويلة) هى رسميًا أعماله «الكاملة» وفعليًا أعماله الناقصة. أفلام رضوان القصيرة («الجنوبية» 1984- «الورشة» 1985- «حياة بائع متجول» 1986- «نساء من الزمن الصعب» 1999) وأفلامه الطويلة («ليه يا بنفسج» 1992 -«عرق البلح» 1998- «الساحر» 2001).

لم يكن ابن كوم إشقاو مركز طما محافظة سوهاج، فى فيلمه الأول «ليه يا بنفسج» وفى فيلمه الأخير «الساحر» مجرد مثقف موهوب يتعاطف -عبر تأملاته- مع المهمشين والخارجين عن القانون ليُرينا ما فى حياتهم من إثارة وعجائبية، ولكنه كان فنانًا قادرًا على مزج خبراته وثقافته وموهبته برؤية هؤلاء «الصعاليك النبلاء» للحياة والفن والحُب والمتعة والإصرار على الاستمرار. فعلَ ذلك بلا مَنٍ ولا تعالٍ، ولكن بإيمان كامل وصدق مع النفس، ورفض داخلى حاسم أن يخسر قناعته ليكسب الشهرة والثروة والبريق الزائف.

بالرغم من ذلك فقد كسب رضوان الكاشف بأفلامه الثلاثة شهرة عريضة وعاش مستورًا، ودُعى إلى معظم مهرجانات السينما فى العالم، ونالت أفلامه أكثر من 40 جائزة كان آخرها الجائزة الذهبية فى مهرجان الأفلام العربية فى روتردام فى هولندا قبل رحيله بأسبوعين.

الجسد وقوة المكان

يحتل الجسد مكانةً محورية فى علم الاجتماع المعاصر. يتضحُ ذلك من حجم الدراسات المتتابعة حول الجسد، وعدد المؤتمرات التى تُعقَد لدراسة الموضوعات المرتبطة به، وعدد المجلات العلمية التى تُفسِح مكانةً خاصة لهذا النوع من الدراسات أو التى تتخصص فى درس الموضوع، ومن أشهر هذه المجلات مجلة الجسد والمجتمع التى تصدر عن دار نشر Sage Publications منذ عام 1995.

ولا شك أن الاهتمام بالجسد فى العلوم الاجتماعية بعامة وعلم الاجتماع خاصة، يؤسس لفهمٍ أعمق لطبيعة التفاعل الإنسانى الذى لا يمكن أن يوجد أصلًا دون هذا الجسد الذى تصدر عنه كل أشكال التفاعل.

وتدور سوسيولوجيا الجسد حول عدد كبير من الموضوعات التى تكشف لنا تقاطعات الجسد مع الطبقة والثقافة والسياسة. فالجسد البشرى ليس كائنًا بيولوجيًا ساكنًا، وإنما هو نسق يتفاعل فى سياق تتشكل من خلاله أنماط التفاعل، والمسارات والاستراتيجيات التى يختارها الفاعل.

ويمثل كتاب د.أمانى عبد الحافظ «الجسد وقوة المكان: طقوس التفاعل الاجتماعى فى حى السيدة زينب» (الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2024) إضافة مهمة فى اتجاه تحليل وسائط التعبير الجسدى فى سياقات مختلفة (الشارع أو السوق أو الحارة.. مثلًا)، وفى أوضاع مختلفة (حالات المشى أو الجلوس مثلًا).

تسعى د.أمانى عبد الحافظ إلى رصد الدلالات والتعبيرات الجسدية فى التفاعل الاجتماعي، وتصنيفها استنادًا إلى الاختلافات الثقافية، خاصة فى حى السيدة زينب، الذى يشهد تفاعلات مكثفة تجمع بين ما هو تقليدى وما هو دينى وما هو حديث.

اختيار حى السيدة زينب جاء نتيجة لتفاعلاته المكثفة وتنوع الشرائح الاجتماعية به، من حيث التعليم، والمهن، وطبيعة المسكن، وأشكال الاستهلاك، ونوعية الملابس، وطبيعة التعامل، بالإضافة إلى طبيعة ما يفرضه المكان من التفاعلات اليومية الكثير.

الجدير بالذكر أن ميدان السيدة زينب شهد عملية تطوير شاملة، ففى عام 1940، أجرت وزارة الأوقاف بعض التجديدات وأضافت مساحة قدرها 17 × 32 مترًا مربعًا، لتصبح مساحة المسجد نحو ثلاثة آلاف متر مربع، وهذه المساحة هى التى تفصل بين المسجد الأصلى والتوسعة الجديدة التى قُدِّرت بنحو 2500 متر مربع، التى أضافتها وزارة الأوقاف عام 1969، لتتضاعف مساحة المسجد ويتصل بمسجد الزعفرانى الواقع فى الجهة الجنوبية تجاه شارع السد. وتتقدَّم المسجد من الواجهة الشمالية رحبتان بهما مدخلان رئيسان، يفضل بينهما مستطيل تعلوه «شخشيخة»، والمساحة الأصلية للمسجد تتكون من سبعة أروقة موازية للقِبلة القديمة، يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة، والبواتك مشيدة على 72 عمودًا رخاميًا. ومع بدء تطوير ميدان السيدة زينب، انتقل باعة الكتب القديمة، أبرز سمات الميدان ومدخل شارع بورسعيد، فيما مضى، إلى مشروع مراسينا، وهو شارع يُطلَق عليه شارع الشيخ عبد المجيد اللبان، وإن ظل الاسم القديم -كالعادة- هو الأشهر، به بيوت متهالكة وبعض الآثار الإسلامية المهمَلة، وبائعو الكتب على الجانبين، وتمت إزالة سوق الفاكهة والملابس والأدوات المنزلية فى الساحة المواجهة للبوابة الغربية لمسجد السيدة، ثم أغلقت هذه المنطقة من شارع السد الشهير، وأصبحت حرمًا تابعًا للمسجد، يسع عشرة آلاف مُصلٍ. والتوسعة الجديدة يحدها جنوبًا جدار وبوابة ضخمة، وشمالًا بوابة ضخمة متصلة بجدار به ثلاثة شبابيك مزدوجة، ينتهى إلى جوار المدخل المخصص للنساء. وقد افتتحت هذه التوسعة الجديدة -المرحلة الأولى- فى ذكرى «غزوة بدر» 17 رمضان 1414هـ الموافق 27 فبراير 1994م.

عملت الباحثة على توثيق ومراقبة التفاعلات فى الشارع العام، السوق، الحارة، وحول المسجد، فى حى السيدة زينب. من هذا المنطلق، رصدت حالات الظهور فى الأماكن العامة (السير، والوقوف والجلوس). كما درست تعبيرات الجسد فى الأماكن العامة من تعبيرات غضب، وفرح، وضيق، وسعادة، وجدية، وتعب، وشقاء، وعمل، واشمئزاز، وغيرها من التعبيرات التى ترتسم على الوجه والجسد، وكذلك تعبيرات الجسد فى السوق، والحارة، وحول المسجد، فقد يضفى المكان سمات اجتماعية ثقافية دينية على تعبيرات وإيماءات الجسد يكون لها مردود أو دلالة سوسيولوجية فى إطار سياق معين بسماته المعينة.

وقد تضفى تعبيرات الجسد للأشخاص الموجودين أو المقيمين فى مكان بعينه سمات ثقافية اجتماعية دينية على المكان وتعطى دلالة سوسيولوجية تضيف نقطة أو محورًا فى إطار التحليل لرصد التعبيرات الجسدية فى مختلف الميادين من إيماءات تُعبِّر عن هلع، وتمهل، واحتقار، وغضب، وامتثال، والخضوع، والحذر، والتهرب والانسحاب، والدونية، والنهي، والأمر، ونفاد الصبر، والدهشة.

اهتم الكتاب برصد التفاعلات اليومية لكل مكان على حدة من تعاملات واحتكاكات بين العابرين والباعة والشارين والزبائن والمتسولين وغيرهم فى مختلف المواقف التى تتم فى أُطر معينة كمواقف العراك والمشاجرة أو المشادات، وأثناء فض الاشتباك أو أثناء الزحام أو ما يتم من مصافحة وتعاون ومودة ومواساة مع الباعة والعابرين والزبائن وكيف يتم؟ وفى أى موقع من الميادين؟

إن استكشاف «قوة المكان» وكيف يؤثر الوعى بالوجود فى موقع تاريخى على التجربة الإنسانية، هو أمرٌ بالغ الأهمية والدلالة. كما يُسهِم البحث فى الأماكن والمواقع والمنشآت فى تحليل تطور البنية التحتية للبلدان والمناطق الحضرية الحديثة.

آخر الكلام:

الموتُ حقيقة، والحياة عبورٌ نحو تلك الحقيقة