آخر كلام

أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «13»

أحمد هاشم
أحمد هاشم


◄ عبد الرحمن السندي.. أول قائد للنظام الخاص

◄ ارتبط اسمه بارتكاب اغتيالات وتفجيرات فى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى

◄ قاد وخطط لاغتيال القاضى الخازندار والنقراشي.. وكشفته قضية السيارة الجيب

شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى بعد عام 2013 أدت إلى ظهور ما عُرف بـتيار العمل النوعى أو اللجان النوعية، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر، ومن أبرز القيادات الإخوانية التي تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازي، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة. 

ولم يكن هذا جديدًا على التنظيم الإخوانى، لأنه منذ نشأته على يد المؤسس والمرشد الأول حسن البنا كان يضم قيادات للجناح المسلح بالجماعة «النظام الخاص» الذى أسسه حسن البنا بنفسه.

كان عبد الرحمن السندى أول قائد للنظام الخاص بالتنظيم الإخوانى الإرهابى يمثل الرأس المدبر والذراع العنيفة لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، عقب تشكيل النظام الخاص عام 1940 تحت إشراف مباشر من مؤسس الجماعة حسن البنا، وكان المبرر المعلن لإنشاء هذا التنظيم مقاومة الاحتلال البريطانى فى مصر والمشروع الصهيونى فى فلسطين، لكنه تحول إلى أداة تصفية سياسية داخلية وعنف موجه ضد مؤسسات الدولة والقضاة والمسئولين.

السندى يعد أحد أكثر الشخصيات غموضاً وتأثيراً فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، حيث ارتبط اسمه بارتكاب سلسلة من أشهر الاغتيالات والتفجيرات السياسية فى مصر خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضى، فقد قاد بنفسه وخطط لعمليات اغتيال وتفجيرات هزت الرأى العام، كما كان المحرك الأساسى لها.

قاد السندى العمليات العسكرية والتخريبية للنظام الخاص بأسلوب يجمع بين التخطيط اللوجستى المعقد والإشراف الميدانى الصارم، فقد كان يدير غرف العمليات، ويوزع الأدوار، ويشرف على نقل السلاح والمتفجرات، وفى بعض الأحيان كان يتواجد قريباً من مسرح الأحداث لضمان التنفيذ.

تولى السندى قيادة النظام الخاص ورئاسته عقب تأسيسه على يد حسن البنا، ورغم أنه كان ضئيل البنيان ويعانى من اعتلال فى صمامات القلب نتيجة حمى روماتيزمية، إلا أنه كان يمتلك قوة نفسية حادة، وشخصية استبدادية صارمة، وولاءً مطلقاً لـفكرة التنظيم.

أدار السندى النظام الخاص بأسلوب سرى معقد يعتمد على عدة ركائز، أولاها الخلايا العنقودية، فقد قسّم السندى الأعضاء إلى خلايا منفصلة، تتكون من مجموعات خماسية، بحيث لا تعرف كل خلية شيئاً عن الخلايا الأخرى، مما يضمن سرية التنظيم وعدم انهياره إذا قُبض على أحد أفراده.

أما الركيزة الثانية فكانت بيعة الدم والسلاح، حيث كان العضو الجديد يؤخذ إلى غرفة مظلمة، ويقسم يمين الطاعة العميقة والمطلقة على مصحف ومسدس أمام شخص مغطى الوجه، وهو ما رسخ ثقافة السمع والطاعة فوق القوانين والشرائع.

كان اغتيال المستشار أحمد الخازندار فى 22 فبراير 1948 من أهم العمليات الإرهابية التى هزت الرأى العام وقادها السندى بنفسه وخطط لها، وجاء هذا الاغتيال بعد إصدار القاضي الخازندار أحكاماً اعتبرها التنظيم الإرهابى قاسية ضد أعضاء من الجماعة الإرهابية، بعد أن تورطوا فى تفجيرات عدد من دور السينما، وكان الحكم بالتحديد فى قضية تفجير سينما مترو. 

فى هذه العملية الإرهابية التقط السندى تلميحاً من حسن البنا مؤسس الجماعة ومرشدها الأول عندما قال «وفق الروايات التاريخية والتحقيقات»: «ربنا يريحنا منه»، وهى الجملة التى فهمها السندى، واعتبرها أمراً مباشراً بالقتل، ونفذ العملية عبر عضوين من التنظيم، وهو ما أكدته شهادات قادة النظام الخاص مثل أحمد عادل كمال ومحمود الصباغ، حيث اتفقا وأكدا أن حسن البنا قال عبارة عابرة: «لو كان هناك من يريحنا من الخازندار»، وأن  السندى تلقف العبارة باعتبارها «أمراً شرعياً» وبدأ التنفيذ فوراً دون الرجوع للبنا،  وقام السندى باختيار المنفذين بنفسه وهما حسن عبد الحافظ سكرتير حسن البنا الخاص، ومحمود زينهم.

كما قام السندى بوضع خطة المراقبة لرصد مواعيد خروج الخازندار من منزله بحلوان وسلم المنفذين مسدسات وقنابل يدوية من مخازن النظام الخاص.

وفي صباح 22 فبراير 1948 تربص العضوان بالقاضى أثناء توجهه لركوب قطار الضواحى وأطلقوا عليه وابلاً من الرصاص، وأثناء هروبهما طاردهما الأهالى، فقام المنفذان بإلقاء قنابل يدوية لإرهاب الناس، لكن تم القبض عليهما.. وكشفت التحقيقات دور السندى فى التخطيط والإشراف على عملية الاغتيال، ليتم القبض عليه وسجنه لفترة وجيزة، قبل أن يتم الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة آنذاك.

كما قاد السندى بنفسه وخطط لاغتيال محمود فهمى النقراشى باشا فى 28 ديسمبر 1948، وهى العملية التى تمت بعد عشرين يوما فقط من إصدار رئيس الوزراء النقراشى فى 8 ديسمبر قراراً عسكرياً بحل جماعة الإخوان المسلمين وتأميم ممتلكاتها، حيث وضع السندى خطة اغتياله؛ التى تضمنت تنكر عبدالمجيد أحمد حسن أحد عناصر التنظيم فى زى ضابط شرطة، وأطلق الرصاص على النقراشى باشا داخل وزارة الداخلية، ودفع هذا الحادث حسن البنا لإصدار بيانه الشهير. 

عملية اغتيال النقراشى باشا كـانت انتقامًا استراتيجيًا قاده السندى بعد صدور قرار حل الجماعة، فقد أدرك السندى أن مبنى وزارة الداخلية «حيث يقع مكتب النقراشى باعتباره وزيراً للداخلية أيضاً» محصن بشدة، فابتكر حيلة تعتمد على التنكر، ووقع اختياره على عبدالمجيد الطالب بكلية الطب البيطرى لتنفيذ العملية.

وأمر السندى بتفصيل زي ضابط شرطة برتبة ملازم أول ليرتديه عبدالمجيد، وزوّده بكافة الشارات الرسمية، ليتمكن من دخول الوزارة دون إثارة الشكوك، كما وفر السندى له مسدساً «طبنجة بلجيكية سريعة الطلقات»، ودخل عبدالمجيد مبنى وزارة الداخلية مرتديا زى الضابط، وانتظر عند المصعد، وعند وصول النقراشى باشا وقف وأدى له التحية العسكرية، ثم أخرج مسدسه وأطلق عليه ثلاث رصاصات فى ظهره أودت بحياته فوراً، وتم القبض عليه، واعترف بصلته بالنظام الخاص وأنه تحت قيادة السندى.

السندى بنفسه قاد وخطط أيضًا لأعمال التخريب والتفجيرات، التى تضمنت نسف محلات تجارية يملكها يهود، مثل شركة الإعلانات الشرقية، وكذلك تفجير عدد من أقسام البوليس، مثل أقسام الموسكى والجمالية والأزبكية، بهدف تقويض هيبة الدولة ضمن خطة واسعة أدارها السندى لضرب الاقتصاد المصرى، وهز ثقة الرأى العام فى قدرة الحكومة على حفظ الأمن، مستغلاً أجواء حرب فلسطين 1948 لضرب المنشآت المملوكة ليهود مصريين أو أجانب تضمنت تفجير محلات شيكوريل وأوركو وريكى.

وقاد السندي مجموعات تابعة للنظام الخاص لوضع متفجرات ديناميت شديدة الانفجار فى هذه المحلات التجارية الكبرى بوسط القاهرة، مما أسفر عن تدمير هائل للمنشآت، ومقتل وإصابة عشرات المدنيين.

كما أشرف السندى شخصياً على توفير المتفجرات لعمليتين استهدفتا حى «حارة اليهود» بالقاهرة عام 1948؛ حيث تم نسف عدد من المنازل والمحلات، مما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا «مسلمين ويهوداً»، وكانت هذه العمليات تدار عبر سيارات نقل تابعة للتنظيم يتم شحنها بالمتفجرات ليلاً.

وقاد السندي خلية قامت بوضع كميات ضخمة من المتفجرات داخل مبنى شركة الإعلانات الشرقية، مما أدى إلى انهياره تماماً، وتضرر المبانى المجاورة.

كما استهدفت خطط السندى إحداث شلل أمنى كامل فى العاصمة «القاهرة» من خلال ضرب مراكز القوة التابعة للدولة، من خلال تفجير أقسام البوليس، ومحاولة نسف محكمة الاستئناف، حيث أشرف السندى على عمليات إلقاء قنابل وتفجير حقائب مفخخة فى أقسام: الموسكى، والجمالية، والأزبكية، لتشتيت الأمن وإرسال رسالة تحدٍ لوزارة الداخلية.

وبعد ضبط وثائق قضية السيارة الجيب خشى السندى من أن تؤدى هذه الوثائق إلى إعدام قادة التنظيم، فقاد محاولة نسف محكمة الاستئناف فى يناير 1949، من خلال عملية انتحارية ضمت عضو التنظيم شفيق أنس، الذى توجه بحقيبة تحتوى على كميات هائلة من مادة الـ«تى إن تى» شديدة الانفجار، ووضعها داخل المحكمة بباب الخلق «حيث كانت تُحفظ أوراق القضية» بهدف نسف المبنى وحرق الأدلة، لكن يقظة حارس المحكمة والموظفين أحبطت العملية وتمت السيطرة على القنبلة قبل تفجيرها بدقائق. 

وكان السندى أيضا العقل المدبر والقائد لقضية السيارة الجيب فى نوفمبر 1948، وهى القضية التى كانت سببا فى الكشف عن السندى ونظامه الخاص، وكانت الصدفة سبب هذا الكشف، حينما اشتبه مخبر شرطة فى سيارة جيب لا تحمل لوحات معدنية كانت متوقفة بالعباسية أثناء نقل وثائق وأسلحة للتنظيم، وعند ضبطها وفحصها عثر المحققون على خرائط، ومتفجرات، وخطط تفجير، وقوائم بأسماء قادة التنظيم السرى وعلى رأسهم السندى. وقادت هذه القضية لاعتقال السندى وكشف الستار تماماً عن الوجه العنيف والمسلح للجماعة أمام القضاء والمجتمع.

بعد مقتل حسن البنا وتعيين حسن الهضيبى مرشداً جديداً للجماعة الإرهابية رفض السندى الخضوع التام للمرشد الجديد، وظهرت بوادر تمرد واضحة داخل الجماعة، وصلت إلى حد احتلال السندى مكتب الإرشاد والاعتداء على الهضيبى.

ووجد الهضيبى فى السندى وتمرده خطراً على الجماعة، فقرر إزاحته وتعيين المهندس سيد فايز − أحد أبرز قادة النظام الخاص المقربين للهضيبى − مكانه، واعتبر السندى هذا الإجراء خيانة لمشروع النظام الخاص، وانقلاباً على شرعيته، فقرر التخلص من فايز.

ونظراً لأن سيد فايز كان حذراً ويعرف أساليب التنظيم لجأ السندى إلى الحيلة، مستغلا مناسبة المولد النبوي الشريف، وقام بنفسه بمساعدة أحمد زكى فنى المتفجرات فى التنظيم بتفخيخ علبة كرتونية مخصصة لحلوى المولد، وقاما بربط الشحنة المتفجرة بـ مفصلات العلبة، بحيث تنفجر فوراً بمجرد رفع الغطاء.

وفى فبراير 1953 وتحديدا يوم المولد النبوى أرسل السندى العلبة مع طفل صغير إلى منزل سيد فايز كهدية بمناسبة المولد، وبمجرد أن فتح فايز العلبة فى غرفته انفجرت الشحنة العنيفة، ما أدى إلى مقتله ومقتل شقيقه الصغير، وتدمير أجزاء من المنزل. 

أحدثت هذه العملية هزة عنيفة داخل التنظيم الإخوانى، فقد كانت أول عملية تصفية دموية داخلية بين أعضاء التنظيم نفسه، ولتكون السبب المباشر لطرد السندى نهائياً من الجماعة بقرار من المرشد حسن الهضيبى.