عندما نعود بالذاكرة إلى مشهد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فى الثامن عشر من فبراير الماضي، عندما جمع حوله قادة وممثلى ٢٨ دولة من٦٠دولة كانت مدعوة، حيث نجح فى الحصول على تعهدات بعض الدول بنحو١٧مليار دولار لإعادة إعمار غزة، تزايدت الآمال والأحلام، أننا أمام أمتار من نهاية سعيدة لحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، والتى استمرت عامين، أفرزت أكبر كارثة إنسانية وعمرانية فى العالم، وفقاً لتوصيف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وارتفع سقف الطموح، عندما ترافق مع الاجتماع الإعلان عن جملة من المجالس الفخمة، التى يمكنها إدارة أزمات العالم بأسره، وليس قطاع غزة، ومنها مجلس السلام الرئيسي، ويتكون من٦٠رئيس دولة وكبار مسئولين، ويرأسه ترامب شخصياً، وآخر تنفيذى يضم شخصيات عالمية، وثالث لجنة وطنية لإدارة قطاع غزة، تتشكل من مجموعة من التكنوقراط المختارين بعناية، أكفاء فى تخصصاتهم دون أى انتماء سياسي، وأخيراً قوة الاستقرار الدولية، ولكن الوقائع كشف أنها مجرد أضغاث أحلام، ترويج لأوهام، عندما بدا رئيس مجلس السلام العالمى ترامب فى خوض حرب غير مسبوقة مع إيران، بدعم وتشجيع من نتنياهو، وكان أحد أهم نتائجها تهميش القضية الفلسطينية تماماً، وغياب ما يجرى فى قطاع غزة عن صدارة المشهد، وتراجع الاهتمام بها، حتى عادت على استحياء، بعد تقديم الممثل الأعلى لمجلس السلام فى غزة «نيكولاى ملادينوف» تقريرًا عن إنجازاته إلى مجلس الأمن، كجزء من القرار الأممى رقم ٢٨٠٣.
ولعل القراءة المتأنية لمضمون التقرير الأخير، الذى يغطى ستة أشهر من عمل المجلس، تكشف أنه لم يجلب السلام، ولم يحسن ظروف معيشة السكان، وأصبح إطاراً شكلياً، وغطاء لاستمرار العدوان الإسرائيلي، والنماذج عديدة، فهو ومنذ البداية، وفى فقرته الأولى أظهر تحاملاً غير مبرر، يفتقد المنطق والعقل على حركات المقاومة الفلسطينية، وفى القلب منها حماس، لأنها كما يزعم ترفض قبول نزع سلاحها، والتخلى عن السيطرة القسرية، والسماح بانتقال مدنى حقيقى فى غزة، بل يطالب مجلس الأمن بضرورة التأكيد على بعض الأمور فى القلب منها، اعتبار أن نزع السلاح ليس مطلباً للتنفيذ حسب القرار ٢٨٠٣ فحسب، بل أمر حاسم لبدء مرحلة إعادة الإعمار، وانسحاب إسرائيل، واستخدام جميع الوسائل على قبول خارطة الطريق وإطار نزع السلاح، أغفل تماماً الدور التخريبى لقوات الاحتلال الإسرائيلي، فى تنفيد بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وأبعد عنها أى مسئولية، فهو لا يرى سوى بعين إسرائيل، ويحقق رغبتها، فلم يشر إلى حقيقة ماثلة، وهى توسيع إسرائيل لمناطق سيطرتها، ولم تتوقف عند الخط الأصفر المتفق عليه، بل أقامت ٣٢ موقعاً عسكرياً دائمًا، أو طويل الأمد، اعترف نتنياهو شخصياً، وتفاخر بأن قواته لم تعد تسيطر على نصف القطاع، بل زادت المساحة إلي٦٠ بالمائة، وفى إشارة تستحق السخرية فى التقرير، أشار إلى أن حماس تسيطر عسكريًا وإداريًا على مليونى شخص فى المساحة الباقية، وتناسى أن هناك توافقاً مبدئياً على أن جمع سلاح المقاومة، والخلاف فقط على التوقيت حيث تطالب بأن يتم ذلك بعد انسحاب إسرائيل من الأراضى الفلسطينية، سواء فى غزة أو الضفة، كما أن هناك أفكاراً تمت مناقشتها، وتحظى بموافقة حماس، وتتضمن إبقاء السلاح الثقيل فى مخازن محددة، تحت إشراف مصرى وتركي، مع جدول زمنى لمعالجة شاملة، وفقاً لآلية (خطوة مقابل خطوة) حتى نصل إلى حل شامل، يضمن حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وليس ضمن ترتيبات جزئية.
لم يجب التقرير عن تساؤل مهم، يتعلق بالطرف المسئول عن استمرار التصعيد وعدم احترام قرار وقف العدوان، حيث تم توثيق حوالى ٢٤٠٠ خرق إسرائيلي، بين أكتوبر من العام الماضى إلى إبريل، وسقوط ٨٨٠ شهيداً خلال الأشهر السبعة الماضية، بالإضافة إلى٢٦٠٥ مصابين، حسب بيانات وزارة الصحة فى غزة، مع استمرار عمليات اقتحام المناطق السكنية، واستمرار عمليات هدم المنازل، واعتقال العشرات من المعتقلين واستمرار الاغتيالات، وآخرهم عزالدين الحداد القائد العسكرى لحركة حماس، وتفادى تقرير المجلس تفسير حالة العجز الشديد، التى يعيشها إذا تعلق الأمر بالتزامات واستحقاقات إسرائيلية، رغم أن بعضها بسيط، ويسهل مهمته، ومنها دخول وبدء عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، والمنوط بها إدارة الشئون الحياتية للسكان، وقد سبق أن أعلن رئيسها الدكتور على شعت فى نهاية أبريل الماضي، أنه تلقى موافقة من ملادينوف، لدخول اللجنة وأعضائها إلى القطاع، وأنها جاهزة للعمل فوراً، ورغم مرور أسابيع إلا أن موافقته لم تتحقق، واكتفى كل من ملادينوف والمستشار فى المجلس آرييه لايتستون، بممارسة ضغوط على رئيسها من خلال رسالة وصلته الشهر الماضي، حذرا فيها من أن رفض حماس نزع سلاحها، قد يؤدى إلى استئناف الحرب، مع الإقرار بأنه لا يتوقع من إسرائيل وقف الهجمات، أو ضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، فما هو المطلوب من الرجل ولجنته، التى مازالت تمارس عملها من القاهرة.
ويبدو الأمر توجها عاما، موقفا سياسيا منحازا بالكلية لكافة أعضائه، ومنهم تونى بلير عضو المجلس التنفيذي، الذى كان هناك تحفظ شديد على عضويته من العديد من الدول المعنية، الذى قدم إحاطة لمجلس الأمن فى ٢٨ أبريل، ربط فيها بين رفع القيود المفروضة على القطاع، وبين نزع سلاح المقاومة، فى مخالفة واضحة لبنود إتفاقية وقف النار، التى نصت على حجم المساعدات المسموح لها بالدخول، وضربت بها إسرائيل عرض الحائط، والتى لم تسمح سوى بأقل من ٤٠ بالمائة منها، وأقل من عشرة من شاحنات الوقود.
حقيقة الأمر أن سلاح المقاومة هو عرض لمرض، وهو استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ولم يكن أبداً وراء أزمة الشعب الفلسطيني، خاصة فى غزة، ولكنها تكمن فى مخططات إسرائيل التوسعية، بدليل استمرار سياسات التهويد والاستيلاء على الأراضى والاقتحامات والاعتقالات فى الضفة ، دون أن يكون للمقاومة بمفهومها الواسع وجود حقيقي، كافة المؤشرات تكشف أن كل المجالس التى تم الإعلان عنها فى الأشهر الأخيرة، هى ترويج لانتصارات وهمية وإنجازات ليس لها ظل على الأرض، ولن يكتب لها النجاح.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







