فى مشهد يعكس عمق الانتماء التاريخى لمصر إلى محيطها الإفريقى، وتزامنًا مع احتفالات يوم إفريقيا التى تستضيفها هذا العام جامعة القاهرة، جاءت كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى محمّلة برسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز الطابع الاحتفالى، لتضع أطرًا واضحة لرؤية مصر تجاه مستقبل القارة.
لم تكن كلمة الرئيس مجرد خطاب بروتوكولى فى مناسبة رمزية، بل بدت أقرب إلى اخارطة طريق سياسيةب تعكس إدراكًا مصريًا متزايدًا بأن إفريقيا تقف على عتبة تحول تاريخى، وأن التحديات الراهنة ـ من المياه إلى الأمن الغذائى والطاقة والملاحة ـ لم تعد ملفات منفصلة، بل شبكة مترابطة من الأزمات التى تتطلب استجابة جماعية إفريقية أكثر تماسكًا وفاعلية.
وفى قلب العاصمة داخل جامعة القاهرةالمؤسسة التى طالما شكّلت جسرًا معرفيًا وثقافيًا بين مصر وعمقها الإفريقى جاءت الرسالة لتؤكد أن مصر لا تنظر إلى إفريقيا بوصفها امتدادًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها افضاءً استراتيجيًاب لمستقبل الأمن القومى المصرى والعربى فى آن واحد.
وكما يشير الخبير فى الشئون الإفريقية رامى زهدى، فإن خطاب الرئيس حمل انتقالًا واضحًا من االخطاب الاحتفالىب إلى االخطاب التوجيهىب، الذى يعيد تعريف أولويات العمل الإفريقى المشترك، لافتًا إلى أن الكلمة تضع إفريقيا أمام اختبار حقيقى، موضحًا أن التركيز على قضايا مثل الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والطاقة يعكس إدراكًا بأن القارة أصبحت جزءًا مباشرًا من النظام العالمى المتأزم، مضيفًا أن مصر فى هذا السياق تقدم نفسها كفاعل مركزى لا مجرد دولة مشاركة، منوهًا بأن الربط بين الأمن الإقليمى الإفريقى والاستقرار العالمى يعكس تحولًا فى لغة الدبلوماسية المصرية خلال السنوات الأخيرة.
التضامن الإفريقى
وشدد زهدى على أن كلمة الرئيس جاءت تعبيرًا واضحًا عن التضامن الإفريقى، مشيرًا إلى أن القارة تمتلك اليوم من المقومات والأدوات الفاعلة ما يؤهلها للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة النفوذ الاقتصادى والسياسى، موضحًا أن الإرادة المصرية راسخة فى دعم التكامل الإفريقى، سواء على مستوى التعاون االمصرى - الإفريقىب أو االإفريقى - الإفريقىب بشكل عام، لافتًا إلى أن هذه الجهود تأتى فى ظل تحولات كبرى فى شكل النظام العالمى المتوقع خلال السنوات المقبلة، مضيفًا أن إفريقيا على أعتاب مرحلة جديدة يمكن أن تجعلها كتلة مؤثرة فى العالم، خاصة مع تنامى الحاجة إلى أطر جامعة للعمل المشترك، مؤكدًا أن مصر تلعب دورًا محوريًا فى ترسيخ هذا المفهوم.
وفى السياق ذاته، يشير النائب عادل زيدان عضو مجلس الشيوخ إلى أن الخطاب تعمّد استخدام لغة شاملة تربط بين التنمية والأمن والسيادة، معتبرًا أن هذا الربط يمثل نقلة نوعية فى الخطاب السياسى الإفريقى عمومًا، وليس المصرى فقط، وشدد على أنه لم يكن مفاجئًا أن تحتل اقضية المياهب موقعًا محوريًا فى كلمة الرئيس، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بالأنهار العابرة للحدود فى القارة الإفريقية، مؤكدًا القناعة المصرية الراسخة بأن الأمن المائى أصبح جزءًا من الأمن القومى الإفريقى المشترك، وليس ملفًا ثنائيًا ضيقًا، مشيرًا إلى أن الدعوة لاحترام القانون الدولى فى إدارة الأنهار تأتى فى إطار رؤية مصرية ثابتة تقوم على ضرورة إدارة الموارد المائية المشتركة وفق مبادئ العدالة وعدم الإضرار.
إفريقيا 2063
وأضاف زيدان أن حديث الرئيس عن أجندة إفريقيا 2063 يعكس إيمان الدولة المصرية بضرورة التخطيط طويل المدى، والعمل على تحويل الأهداف التنموية إلى واقع ملموس من خلال الشراكات الفعالة، موضحًا أن مصر تواصل دعمها للدول الإفريقية عبر تنفيذ مشروعات تنموية وبناء القدرات وتبادل الخبرات فى مختلف المجالات، فضلًا عن أن مصر لم تعد مجرد دولة محورية فى إفريقيا، بل أصبحت ركيزة أساسية فى صياغة مستقبل القارة من خلال دورها فى تعزيز الاستقرار الإقليمى ودعم جهود السلام والتنمية، مختتمًا بأن كلمة الرئيس جاءت لتؤكد أن التعاون الإفريقى لم يعد خيارًا، بل مسارًا حتميًا لمواجهة التحديات المشتركة.
الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية يؤكد أن كلمة الرئيس حملت رسائل مهمة تعكس التزام مصر بدعم القارة الإفريقية وتعزيز مبادئ الحق والعدل فى التعامل مع القضايا المشتركة بين الدول الإفريقية، مضيفًا أن هذه الرسائل ترتبط بعدد من الملفات الحيوية، من بينها الحقوق المتعلقة بالممرات البحرية والأنهار الدولية والإدارة الرشيدة للموارد المائية، موضحًا أن مصر تمتلك تاريخًا طويلًا من العمل الإفريقى منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وأن الاحتفال بيوم إفريقيا داخل جامعة القاهرة يحمل دلالات مهمة تعكس عمق العلاقات المصرية الإفريقية، فتنظيم الفعاليات من خلال كلية الدراسات الإفريقية العليا وكلية الاقتصاد والعلوم الســياسية يـــؤكـــد الاهتمــــام الأكــــاديمى المتزايد بالقضايا الإفريقية وسبل تعزيز التعاون بين دول القارة، مشيرًا إلى أن جامعة القاهرة أسهمت فى تخريج عدد من القادة الأفارقة الذين تولوا مناصب بارزة فى دولهم.
سلاسل الإمداد
فى جزء آخر من الخطاب، لفت الرئيس إلى تداعيات الأزمات العالمية على القارة الإفريقية، خاصة فيما يتعلق بسلاسل الإمداد والملاحة والطاقة والغذاء، ويرى فهمى أن هذه الإشارة تعكس وعيًا متزايدًا بأن إفريقيا لم تعد على هامش الاقتصاد العالمى، بل أصبحت فى قلبه، مضيفًا أن اضطرابات التجارة الدولية خلال السنوات الأخيرة أثبتت أن القارة تمتلك أوراق قوة استراتيجية، لكنها تحتاج إلى تنسيق أكبر بين دولها. واختتم بأن كلمة الرئيس أكدت استمرار دعم مصر لمسارات التنمية فى القارة من خلال المشروعات المشتركة وتبادل الخبرات، فمصر لم تنقطع يومًا عن إفريقيا، لكن السنوات الأخيرة شهدت تسارعًا كبيرًا فى إعادة التموضع المصرى داخل القارة، فالقاهرة تتبنى نهجًا عمليًا يقوم على المشروعات وليس الشعارات، لافتًا إلى أن التعاون المصرى الإفريقى فى مجالات البنية التحتية والطاقة والتعليم أصبح أكثر وضوحًا وفاعلية.
من بين الرسائل المهمة فى الخطاب التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة الدول الإفريقية ودعم مؤسساتها الوطنية، ويرى النائب المهندس حازم الجندى، عضو مجلس الشيوخ عضو الهيئة العليا لحزب الوفد أن هذا الطرح يعكس قناعة مصرية بأن استقرار الدول الإفريقية هو شرط أساسى لاستقرار المنطقة بأكملها، مضيفًا أن مصر تتحرك دائمًا وفق منطق الدولة القوية الداعمة لا الدولة المتدخلة، وهو ما يمنحها قبولًا واسعًا داخل القارة.
وأشار الجندى إلى أن تنويه الرئيس السيسى بأن القارة تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية تعبير واضح عن رؤية استراتيجية واعية، موضحًا أن هذه المبادئ ما زالت تشكل الركيزة الأساسية والدافع القوى نحو تحقيق التكامل الإقليمى والاعتماد على الذات فى مواجهة التحديات الراهنة، وتحويل الطموحات القارية إلى واقع ملموس يلبى تطلعات الشعوب الإفريقية. كما أشار إلى أن مصر تلعب دور الوسيط فى العديد من الأزمات الإفريقية، موضحًا أن هذا الدور يعزز مكانتها الإقليمية والدولية.
وعن إعلان مصر استضافة قمة الاتحاد الإفريقى التنسيقية الثامنة فى يونيو 2026، قال الجندى إنه يعكس رغبة فى الدفع نحو مرحلة جديدة من التكامل، مختتمًا بأن هذه القمة قد تمثل نقطة تحول فى مسار أجندة إفريقيا 2063، خاصة إذا تم التركيز على التنفيذ وليس فقط التخطيط، غير أن التحدى الأكبر أمام القارة ليس فى صياغة الأهداف، بل فى تحويلها إلى سياسات وطنية قابلة للتطبيق.
اقرأ أيضا: قرار جمهوري بالعفو عن باقي العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة الاحتفال بعيد الأضحى
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







