في الوقت الذي يشهد فيه قطاع الطيران العالمي نمواً متسارعاً وارتفاعاً غير مسبوق في أعداد الرحلات الجوية، تتزايد التحديات الخفية داخل ساحات المطارات، حيث تتحول دقائق تجهيز الطائرات على الأرض إلى واحدة من أكثر مراحل التشغيل حساسية وخطورة.
وبين ضغوط التشغيل وسرعة دوران الرحلات وتعدد الجهات العاملة، يبرز العامل البشري باعتباره الحلقة الأكثر تأثيراً في منظومة السلامة الجوية، ليس بوصفه سبباً مباشراً للحوادث فحسب، بل كجزء من منظومة تشغيلية معقدة تتداخل فيها الإدارة والتنسيق والاتصالات والضغوط التجارية.
وخلال مشاركته في مؤتمر الخدمات الأرضية للاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا» الذي عُقد بالقاهرة مؤخراً، أكد الكابتن محمد عباس، خبير ومستشار السلامة، أن صناعة الطيران تواجه تحديات ضخمة ومقلقة في عمليات الخدمات الأرضية، مشيراً إلى أن الأرقام الحالية «مخيفة» وتعكس حجم المخاطر التي تهدد العمليات اليومية بالمطارات حول العالم.
وأشار إلى أن بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي لعام 2025 أظهرت وقوع نحو 29 ألف حادث تلف للطائرات و38 ألف خطأ تحميل خلال أكثر من 40 مليون رحلة جوية، بخسائر تجاوزت 5 مليارات دولار سنوياً، ما يكشف حجم الضغوط التشغيلية التي تواجهها شركات الطيران والمطارات ومقدمو الخدمات الأرضية.
وأوضح عباس أنه طبقا لتلك الإحصائيات فإن حوادث تلف الطائرات تصل الي ما يعادل 80 حادث تلف و 104 خطأ تحميل يومياً علي مستوي العالم، مؤكداً أن هذه الوقائع، رغم عدم تسببها في حوادث وفيات، تُكلف الصناعة مليارات الدولارات سنوياً، وقد تصل الخسائر إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات العشر المقبلة مع استمرار نمو الحركة الجوية العالمية.
وشدد عباس على أن غالبية الحوادث لا تنتج عن أخطاء فردية معزولة، بل تعكس إخفاقات أعمق داخل الأنظمة التشغيلية والتنظيمية، مثل ضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، وعدم وضوح الإجراءات، وقصور وسائل الاتصال، إضافة إلى الإرهاق وضغط العمل ونقص العمالة والضغوط البيئية والتشغيلية.
وأضاف أن بيئة الخدمات الأرضية تُعد من أكثر البيئات تعقيداً داخل صناعة الطيران، حيث تشارك فيها شركات الطيران، ومقدمو الخدمات الأرضية، وشركات الوقود، وأطقم الصيانة، وفرق التموين، وسلطات المطارات، وهو ما يخلق تحديات كبيرة في إدارة التداخلات التشغيلية لكل طائرة علي حده وتحديد المسؤوليات بوضوح.
وحذر من أن غياب التنسيق الفعال بين هذه الأطراف يؤدي إلى تشتت و تعارض مسؤوليات السلامة، واختلاف ثقافات السلامة بين مقدمي الخدمة، وضعف الاتصالات أثناء عمليات التسليم أو تغيير المهام، إلى جانب الضغوط الناتجة عن الالتزام الصارم بمواعيد الإقلاع ومتطلبات الأداء التشغيلي.
كما لفت إلى أن الضغوط التجارية قد تدفع بعض مقدمي الخدمة إلى تبني اختصارات غير آمنة لخطوات تشغيلية أو تقليل معدلات الإبلاغ عن الأخطاء، مشيراً إلى أن العديد من التحقيقات تتوقف عند تحميل العامل المباشر المسؤولية، دون التعمق في الأسباب التنظيمية الحقيقية مثل نقص التوظيف أو تضارب الإجراءات أو ضعف أنظمة الاتصال.
ودعا عباس إلى تبني نهج أكثر شمولاً في إدارة السلامة بالمطارات، يقوم على تحديد المسئوليات التشغيلية بوضوح، وتوحيد بروتوكولات الاتصال، وتعزيز ثقافة السلامة بين جميع مقدمي الخدمات، وإشراك مختلف الجهات العاملة في تقارير واجتماعات السلامة، مع تحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة التشغيلية ومتطلبات السلامة وإدارة الإرهاق البشري.
وأكد في ختام حديثه أن إدارة مقدمي الخدمات والتداخلات التشغيلية لم تعد مجرد مسائل إدارية، بل أصبحت أحد أهم عناصر سلامة التشغيل في المطارات الحديثة، مشيراً إلى أن كثيراً من حوادث الخدمات الأرضية تنشأ بسبب ضعف التنسيق بين مقدمي الخدمات العاملة تحت ضغط الوقت داخل بيئات تشغيلية شديدة التعقيد.

حكايات من كيمت| السر المدفون.. كيف أعادت مقبرة حورمحب رسم تاريخ وادي الملوك؟
وزير الخارجية يستعرض برنامج مصر للإصلاح الاقتصادي الشامل
وزير الخارجية لنظيره الياباني: مصر تسعى للتوصل لتفاهمات تدعم الاستقرار الإقليمي







