الغربية – ماجدة شلبي
مع اقتراب موسم الحج من كل عام، تبدأ آلاف الأسر المصرية في تجهيز ذويها المتوجهين إلى الأراضي المقدسة وتتصدر ملابس الإحرام قائمة المستلزمات الأساسية التي لا غنى عنها لأداء المناسك.
وبينما يرتدي الحجاج تلك القطع البيضاء البسيطة التي ترمز إلى المساواة والتجرد والخشوع، لا يعلم كثيرون أن رحلة صناعة جانب كبير من هذه الملابس تبدأ من مدينة المحلة الكبرى داخل أسوار شركة مصر للغزل والنسيج إحدى أعرق القلاع الصناعية في مصر والشرق الأوسط بل والعالم أجمع
- أسعار ملابس الإحرام
في قلب مدينة المحلة الكبرى وتحديدًا داخل مجمع الوبرة التابع للشركة تعمل الماكينات بلا توقف وتتحرك سواعد العمال بخبرة تراكمت عبر عقود طويلة لإنتاج بشاكير الإحرام التي أصبحت الخيار الأول لآلاف الحجاج والمعتمرين لما تتمتع به من جودة عالية واعتماد كامل على القطن المصري طويل التيلة.
ولا يقتصر تميز المنتج على الجودة فقط بل يمتد إلى السعر المناسب مقارنة بالمنتجات المستوردة حيث يتراوح سعر طقم الإحرام القطني المكون من الإزار والرداء بين 700 و800 جنيه تقريبًا وفقًا للوزن والمقاس مع توافر أوزان متعددة تناسب مختلف احتياجات الحجاج تبدأ من الأوزان الخفيفة التي تتراوح بين 1000 و1200 جرام، مرورًا بالوزن المتوسط 1400 جرام وصولًا إلى الأوزان الثقيلة التي تتراوح بين 1600 و1800 جرام وتُعد الأعلى جودة والأكثر إقبالًا.
- رحلة تبدأ من القطن المصري
داخل خطوط الإنتاج تبدأ الحكاية باستقبال أجود أنواع القطن المصري طويل التيلة والذي يعد أحد أسرار تميز المنتج المصري عالميًا ويتم اختيار الخامات بعناية شديدة قبل دخولها مراحل التصنيع المختلفة.
بعد ذلك تنتقل الألياف إلى أقسام الغزل حيث تتحول إلى خيوط قوية ومتجانسة تتميز بالنعومة والمتانة ثم تُنقل إلى ماكينات النسيج المتخصصة في إنتاج البشاكير القطنية المستخدمة في الإحرام لتتحول الخيوط البيضاء إلى نسيج قادر على امتصاص الرطوبة وتحمل الاستخدام لفترات طويلة.
ولا تنتهي الرحلة عند هذا الحد إذ تخضع الأقمشة بعد ذلك لمراحل دقيقة من التبييض والتجهيز للوصول إلى اللون الأبيض الناصع الذي يميز ملابس الإحرام مع تطبيق معالجات فنية تضمن ثبات اللون والحفاظ على جودة القماش حتى بعد الغسيل المتكرر.
أما المرحلة الأخيرة فتشمل القص والتجهيز والتقفيل وفق المقاسات الشرعية المعتمدة للإزار والرداء ليصبح المنتج جاهزًا للانتقال من مصانع المحلة إلى الأسواق ومنها إلى الحجاج المتوجهين إلى بيت الله الحرام.
- جودة تبدأ من الخامة وتنتهي عند الحاج
من جانبه، أكد المهندس سعيد طنطاوي رئيس قطاعات الغزل بالشركة أن صناعة ملابس الإحرام تحظى باهتمام خاص داخل مصانع غزل المحلة نظرًا لارتباطها بخدمة ضيوف الرحمن.
وتابع: «نعتمد بشكل كامل على القطن المصري طويل التيلة وهو من أفضل أنواع الأقطان في العالم لما يتميز به من نعومة فائقة وقدرة كبيرة على امتصاص الرطوبة وتحمل الاستخدام لذلك يخرج المنتج النهائي بمواصفات تمنح الحاج الراحة أثناء أداء المناسك في ظل درجات الحرارة المرتفعة
وأضاف أن جميع مراحل التصنيع تخضع لرقابة صارمة تبدأ من اختيار الخامات وحتى خروج المنتج النهائي من المصنع مؤكدًا أن الحفاظ على جودة المنتج يمثل أولوية قصوى لدى الشركة لما يحمله من قيمة دينية وإنسانية خاصة».
- مواصفات عالمية وصناعة وطنية
وفي ذات السياق، أكد المهندس خالد عبد الحميد رئيس قطاعات النسيج بالشركة أن ملابس الإحرام المنتجة داخل مجمع الوبرة أصبحت نموذجًا للصناعة الوطنية القادرة على المنافسة بفضل ما تتمتع به من جودة عالية ومواصفات قياسية.
وأضاف أن الشركة تعتمد على أحدث خطوط الإنتاج إلى جانب الخبرات المتراكمة للعاملين وهو ما يضمن إنتاج بشاكير تتميز بالمتانة والنعومة والقدرة على تحمل ظروف الاستخدام المختلفة
وكشف عن أن الأقمشة تمر بمراحل دقيقة من التبييض والتجهيز للوصول إلى أعلى درجات البياض والثبات كما يتم إجراء اختبارات مستمرة لضمان مطابقة المنتج للمواصفات المطلوبة قبل طرحه في الأسواق وكفائة المنتج تعتمد بشكل رئيسي علي جودة القطن المصري طويل التيله الذي يعد أفضل أقطان العالم
وأشار إلى أن عمليات التطوير التي شهدتها المصانع خلال السنوات الأخيرة أسهمت في رفع كفاءة المنتجات الوطنية وتعزيز ثقة المستهلك المصري بها.
- سواعد تصنع الرحلة
وفي أحد عنابر الإنتاج يقف العمال أمام الماكينات التي لا تتوقف يراقبون الخيوط وهي تتحول تدريجيًا إلى بشاكير بيضاء سترافق الحجاج في رحلتهم الإيمانية.
ويقول أحمد السيد أحد العمال القدامى بالشركة: «نعمل في هذه الصناعة منذ سنوات طويلة لكن إنتاج ملابس الإحرام له شعور مختلف عندما نعلم أن هذه القطع ستصل إلى الحرم المكي نشعر بمسؤولية كبيرة ونتعامل معها باعتبارها أمانة قبل أن تكون منتجًا صناعيًا».
ويضيف محمد عبد الفتاح مشرف التشغيل، أنه خلال موسم الحج ترتفع معدلات العمل داخل المصنع لتلبية احتياجات السوق والجميع يعمل بروح الفريق الواحد من أجل خروج المنتج بأفضل صورة ممكنة.
أما العاملة فاطمة إبراهيم فتقول: «كلما رأينا الحجاج يرتدون ملابس الإحرام التي شاركنا في إنتاجها نشعر بالفخر والسعادة وكأننا نشاركهم جزءًا من رحلتهم المباركة».
وأكدت فاتن سليمان مشرفة العمال، إكأن موسم إنتاج ملابس الإحرام يُعد من أكثر المواسم التي يشعر خلالها العاملون بالفخر والمسؤولية «كل قطعة إحرام تمر بين أيدينا نتعامل معها بعناية شديدة لأننا نعرف أنها سترافق حاجًا أو معتمرًا في رحلة هي الأهم في حياته لذلك لا نسمح بخروج أي منتج إلا بعد التأكد من جودته وسلامته».
وتابعت: «العمال هنا يعتبرون أنفسهم شركاء في خدمة ضيوف الرحمن قد لا نسافر إلى الأراضي المقدسة لكننا نشعر أن جزءًا من جهدنا وعملنا يذهب إلى هناك مع كل قطعة يتم إنتاجها».
وأكدت أن روح التعاون بين العاملين تظهر بشكل واضح خلال موسم الحج حيث تتضافر جهود الجميع من أجل زيادة الإنتاج والحفاظ في الوقت نفسه على أعلى مستويات الجودة.
- راحة الحاج أولًا
ولا تقتصر أهمية ملابس الإحرام المنتجة بالمحلة على الجودة فقط بل تمتد إلى خصائصها العملية التي تجعلها مناسبة لأداء المناسك، فالقماش القطني المصري الخالص يساعد على تحمل درجات الحرارة المرتفعة في الأراضي المقدسة كما يتميز بقدرته العالية على امتصاص العرق وتوفير الراحة أثناء الطواف والسعي والتنقل بين المشاعر المقدسة.
كما تُصنع البشاكير في صورة قطع قماشية كاملة غير مفصلة بما يتوافق مع الشروط الشرعية الخاصة بإحرام الرجال وهو ما يمنح الحجاج الثقة والاطمئنان عند استخدامها.
- من قلعة النسيج إلى بيت الله الحرام
وعلى مدار عقود طويلة ظلت المحلة الكبرى رمزًا للصناعة المصرية حيث كانت تصنع كسوة الكعبة سنويا وتخرج من المحلة في موكب مهيب احتفالا بهذا الشرف العظيم والآن ومع كل موسم حج تتجدد واحدة من أجمل صور هذا الدور الوطني حيث تتحول خيوط القطن المصري داخل المصانع إلى ملابس إحرام بيضاء تحمل بصمة العمال المصريين إلى الأراضي المقدسة.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







