لن أنجرف إلى معارك كبيرة أو صغيرة، لا لأننى مسالم بطبيعتى، بل لشعورى بالملل من أى جدل يتمدد دون نتيجة، عموما أنا أكثر ميلا الآن للثرثرة أحادية الاتجاه، وفى حال تحوّلها إلى نقاش أتخذ من الصمت ملاذا آمنا، يقينى شرور انعدام المنطق وازدواجية المعايير.
الجدل ابتكار إنسانى يمنح عشاقه فرصة إثبات الذات، بدأ منذ طفولة البشرية، ولعل «السفسطة» أشهر تجلياته. ظهر السفسطائيون باليونان القديمة فى سياق مختلف، وسعوا إلى التدريب على فنون الإقناع، لهذا كان يمكن للشخص نفسه أن يتبنى الرأى ونقيضه، المهم أن يستطيع كل مرة إقناع المحيطين بصحة منطقه، مما يعنى أن المنطق بوجهه البرىء مخادع، حتى لو بدا للآخرين سليما، وهكذا لا تعنى صحته أننا أمام حقيقة مطلقة.
اليقين إذن خدعة، والثوابت تنكسر على صخرة تحولاتنا.. أو حيَلنا المراوغة، والسفسطة تلاعبٌ بالألفاظ يقودنا إلى ممرٍ حدودى بين الفلسفة والفلسفة الكاذبة، وتحديدا عندما نتجادل حول قضية جادة أو تافهة، فقط لإثبات لياقة ألسنتنا! وهو ما ظهر بوضوح عندما أتيحت لنا فرصة التعبير بلا ضوابط، وخاض كثيرون حروبا كلامية فى الأسابيع الأخيرة، حول نظام الطيبات والكلاب الضالة، ومؤخرا أفراح دورى كرة القدم وشجونه، بخلاف معارك الانتماءات السياسية، التى امتدت إلى وفيات المشاهير، ممن أصبحوا مادة خصبة للشجار وفق انتماءاتهم.. وانشقاقاتنا.
فى كل الأحوال السابقة أستطيع تبنى وجهة النظر وعكسها، وباعتبارى أملك قدرا لا بأس به من السفسطائية، كنت أستمتع فيما مضى بخوض جدليات مدعومة برأى قد يخالف قناعتى، لمجرد تصدير إحساس بالغيظ إلى محدثى، إذا أحسستُ أنه يُبدّل مواقفه لتتناسب مع «مقاس» مصلحته، غير أننى الآن مصاب بالإنهاك، بعد أن صار تحريك اللسان يتطلب بذل جهد لا أقدر عليه، لهذا بدأتُ أوفّر طاقة ضخ الكلمات لـ»الرغي» فيما أحب، حتى لو أصاب ذلك من حولى بالملل!
تصدير الملل أفضل من استيراد الصداع، بعد أن أصبح الخلاف فى الرأى يفسد للود كل قضية.. مما جعل أغلب القضايا للأسف خاسرة!

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







