يبدو أن الشرق الأوسط على أعتاب ما يمكن تسميته «الزلزال الجيوسياسى».. تتفكك تحالفات تقليدية استقرت لعقود، وتتشكل جبهات تعيد رسم الخريطة الإقليمية..مخاض عسير لنظام جديدعلى أنقاض القديم.
أبرز تجليات «الزلزال» تكمن فى السياسات المربكة للرئيس ترامب، وأخطرها أنه لا يستبعد انضمام إيران إلى «اتفاقيات أبراهام» للتطبيع ، وهذا التصريح وإن بدا مستغربا، يوضح إمكانية تحول العداء التاريخى بين واشنطن وطهران إلى صيغة من التفاهم والصفقات المتبادلة، مما يقلب الطاولة على الخطوط الحمراء السابقة.
وفى ظل التفاهمات المحتملة، يقف الإقليم على حافة الإنفجار، متأرجحا بين جبهات مشتعلة، لإعادة تشكيل التحالفات الكبرى، والاعتماد على التواجد العسكرى لقوات غير أمريكية فى دول الخليج ، مما يعنى أن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية، بدأت تفقد صلاحيتها، وأن دول المنطقة تبحث عن بدائل أمنية متعددة لحماية مصالحها.
ومع التلويح باتفاق أمريكى إيرانى، أصبحت المنطقة أمام احتمالين لا ثالث لهما، فإما اتفاق دبلوماسى شامل ينهى الصراع التاريخى ، وإما انزلاق نحو حرب متعددة الجبهات لا تبقى ولا تذر، وتلتهم الأخضر واليابس، وتغير جغرافيا المنطقة .
ويفجر التودد الأمريكى نحو طهران، مقدمات انقسام غير مسبوق داخل المعسكر الأمريكى الإسرائيلى، فبينما يفضل ترامب المسار الدبلوماسى مع طهران تحت شعار الإحتواء و»دعنا نجرب» لتفادى الاستمرار فى مستنقع عسكرى جديد. يضغط رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بقوة لإفساد هذا الاتفاق واستمرار التصعيد العسكرى.
ويبدو بوضوح أن ترامب بدأ يعود لشعاره المفضل «أمريكا أولا» وليس إسرائيل أولا، مدفوعاً بإدراك عميق بأن نتنياهو جرّه إلى حرب إقليمية أضرت بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية، واستنزفت هيبة واشنطن الدولية.
وفى المقابل، ليست القوى الدولية الأخرى، غائبة عن هذا المشهد المضطرب، ويتمدد التحالف الروسى الصينى لمزاحمة التفرد الأمريكى فى المنطقة، وتجسد هذا بوضوح فى الاتفاقيات الأربعين، الموقعة بين الرئيسين الصينى والروسى فى بكين، والتى استهدفت مواجهة الهيمنة الغربية، وتعزيز التبادل التجارى بالعملات الوطنية كاليوان والروبل، وتطوير خطوط الإمداد، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة التى تسيطر عليها واشنطن.
واللافت للإنتباه ان تراجع الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط، لم يكن وليد مؤامرة خارجية أو هزيمة عسكرية، بل نتاج أخطاء فادحة وقعت فيها واشنطن بنفسها، بسبب تناقضاتها الداخلية، وازدواجية معاييرها المرتبكة، وعجزها عن ضبط الأزمات المتشابكة.
وهذه المتغيرات المتسارعة، تحيى بقوة حلم «تعددية الأقطاب» بدلا من القطب الواحد،بما يصب مباشرة فى صالح القوى الإقليمية المناهضة للسياسات الأمريكية، والتى باتت تجد فى بكين وموسكو سندا اقتصاديا وعسكريا قويا.
وخلاصة هذا المشهد تشير الى أن أمريكا تفقد تدريجيا أجزاء من هيمنتها، لصالح قوى إقليمية ودولية كانت تقف على الهامش، وقد تشهد المنطقة فصلا جديدا من تاريخها، تُكتب تفاصيله بقوى متعددة ،لا مكان فيها للقطب الواحد.

هل يفعلها المنتخب؟
من نجريج إلى أنفيلد.. لماذا أحب العالم محمد صلاح؟
الطلاق فى زماننا







