الغربية - ماجدة شلبي
في مشهد سنوي يتكرر مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تتحول أسواق المواشي بمحافظة الغربية إلى حالة من الحراك الاقتصادي والاجتماعي الكثيف، حيث تتدفق أعداد كبيرة من التجار والمربين والمواطنين من مختلف المحافظات لشراء الأضاحي، وسط منافسة قوية بين أنواع متعددة من العجول والأغنام والماعز.
وتبرز أسواق الغربية، وعلى رأسها سوق قطور وسوق الثلاثاء بمدينة طنطا، كأحد أهم مراكز تجارة المواشي في مصر، لما تتمتع به من تنوع كبير في المعروض وتعدد مصادر الإمداد من مختلف المحافظات.
وفي ظل هذا الزخم الموسمي، يؤكد خبراء وتجار الماشية أن اختيار الأضحية لم يعد يعتمد على الوزن فقط، بل أصبح يرتبط بمعايير أكثر دقة مثل نسبة التصافي وجودة اللحم ونوع السلالة.
◄ منافسة بين البلدي والمستورد
كما أن الخراف البرقي تأتي في مقدمة الأنواع المفضلة لدى كثير من المواطنين نظرًا لانخفاض نسبة الدهون وارتفاع نسبة التصافي التي قد تصل إلى نحو 55%، بينما تحظى السلالات الرحماني والبلدي بإقبال واسع بسبب انتشارها وتعود المستهلكين على مذاقها.
أما في قطاع العجول، فتشهد الأسواق منافسة بين البلدي والمستورد، حيث تتميز العجول المستوردة مثل البرازيلي والكولومبي بارتفاع نسب التصافي، في حين يحتفظ البلدي بمكانته الخاصة لدى المستهلك المصري.

وفي الطرق المؤدية إلى مدن قطور وطنطا وزفتى تصطف سيارات النقل الكبيرة بينما يعلو صوت الباعة والسماسرة وتمتزج رائحة القش والأعلاف بأصوات الماشية في لوحة شعبية قديمة لا تزال تحتفظ بروحها رغم تغير الزمن وارتفاع الأسعار.
وتُعد محافظة الغربية من المحافظات الأشهر في تجارة المواشي حيث تضم عدداً من الأسواق العملاقة التي يقصدها التجار والمربون من الدقهلية وكفر الشيخ والمنوفية والبحيرة وحتى محافظات الصعيد وعلى رأسها سوق قطور الشهير وسوق الثلاثاء بمدينة طنطا وسوق الأحد بالجعفرية بالإضافة إلى أسواق زفتى وقرية سندبسط التابعة لمركز زفتى والتي تشهد رواجاً كبيراً خلال موسم الأضاحي.
◄ سوق قطور وجهة للتجار من كل المحافظات
في مدينة قطور لا يبدو يوم السوق يوماً عادياً بل أشبه بمهرجان شعبي ضخم يبدأ قبل الفجر فالسوق الذي يُعرف بأنه الأكبر على مستوى الجمهورية يتحول إلى قبلة للتجار من كل المحافظات حيث تمتد صفوف العجول والجاموس والأغنام على مساحات واسعة ويتنقل المشترون بين البائعين بحثاً عن أفضل الأسعار وأفضل السلالات.
اقرأ ايضا| هروب العجول.. فيديوهات طريفة تتكرر كل عيد أضحى وتتحول إلى تريند
ويقول عدد من التجار إن سوق قطور يتميز بتنوع المعروض فهناك عجول بلدية وأخرى مستوردة محسنة بالإضافة إلى الجاموس والأغنام والماعز وهو ما يجعل السوق مقصداً للتجار الكبار والمواطنين البسطاء في الوقت نفسه.
ويبدأ نشاط السوق منذ ساعات الليل المتأخرة حيث تصل سيارات النقل تباعاً ويبدأ إنزال المواشي وسط حركة لا تتوقف بينما ينتشر السماسرة بين المشترين والبائعين لإتمام الصفقات في مشهد اعتاده الأهالي عاماً بعد آخر.

ويؤكد المعلم سيد السباعي «أحد التجار»، أن الأيام الأخيرة قبل عيد الأضحى، تشهد أعلى معدلات الإقبال، خاصة مع حرص المواطنين على شراء الأضحية مبكراً تجنباً لارتفاع الأسعار أو قلة المعروض.
◄ سوق الثلاثاء في طنطا كرنفال أسبوعي للأضاحي
أما في طنطا، فيبقى «سوق الثلاثاء» أحد أشهر الأسواق الشعبية بالمحافظة حيث يتحول كل أسبوع إلى تجمع ضخم لتجارة المواشي والأغنام.
ويشهد السوق حركة كثيفة منذ الساعات الأولى للصباح حيث يتوافد المواطنون من القرى والمراكز المجاورة لشراء الأضاحي بينما يحرص التجار على عرض أفضل ما لديهم من عجول وخراف وماعز لجذب المشترين.
ويصف التجار السوق بأنه «كرنفال العيد»، فالمكان لا يقتصر فقط على البيع والشراء بل يحمل طابعاً اجتماعياً وتراثياً إذ يلتقي فيه التجار القدامى وتُعقد الصفقات بالمصافحة والكلمة وسط أجواء مليئة بالحركة والضجيج.
ومع ارتفاع أسعار اللحوم خلال السنوات الأخيرة أصبح السوق يشهد تنوعاً كبيراً في نوعية الأضاحي لتناسب مختلف الفئات فهناك من يبحث عن عجل كامل وآخرون يفضلون الخراف أو الماعز الأقل سعراً.
◄ أفضل السلالات المطلوبة داخل الأسواق
ولا يتوقف اهتمام المواطنين داخل أسواق الغربية على السعر فقط بل يبحث الكثيرون عن أفضل أنواع الأضاحي من حيث جودة اللحم ونسبة التصافي وطبيعة التغذية والرعي.

ويؤكد المعلم محمود سعيد، أن «الخراف البرقي»، تُعد من أفضل السلالات الموجودة في الأسواق خاصة أنها تتميز بلحمها الجيد وقلة الدهون إذ تكون «اللية» صغيرة للغاية مقارنة بأنواع أخرى كما تصل نسبة تصافي اللحم فيها إلى نحو 55% وهو ما يجعلها مفضلة لدى عدد كبير من المشترين.
كما تحظى الأغنام الرحماني بشعبية واسعة داخل أسواق الدلتا والغربية نظراً لمعدل نموها السريع وطعم لحمها المميز رغم أن نسبة الدهون بها تكون أعلى قليلاً من البرقي وتتميز بـ لية متوسطة إلى كبيرة الحجم.
أما الأغنام البلدي فلا تزال تحافظ على مكانتها لدى الأسر المصرية نظراً لتوافرها بكثرة وتحملها للظروف الجوية بالإضافة إلى مذاقها الذي اعتاد عليه المستهلك المصري منذ سنوات طويلة.
◄ العجول المستوردة والبلدي منافسة لا تتوقف
وفيما يتعلق بالعجول تشهد الأسواق منافسة قوية بين العجول البقري البلدي والعجول المستوردة المحسنة خاصة البرازيلي والكولومبي والتي يقبل عليها بعض التجار بسبب ارتفاع نسبة تصافي اللحم وقلة الدهون بها.
اقرأ ايضا| بورصة الأضاحي قبل العيد.. كيف تتجنب الغش وتختار أضحيتك بشكل صحيح؟
ويؤكد المعلم عبدالله عبد الكريم أن العجول المستوردة تتميز بإنتاج وفير للحوم الحمراء حيث تصل نسبة التصافي فيها إلى ما بين 60 و62% بينما تتراوح نسبة التصافي في العجول البلدي بين 55 و58% مع احتفاظ اللحم البلدي بمذاقه المعروف لدى المستهلك المصري.
ويضيف أن العجول الجاموسي وخاصة «الجاموس البحيري» الذي يتم تسمينه داخل قرى الدلتا فيظل له زبائنه المفضلون نظراً لانخفاض نسبة الكوليسترول في لحمه فضلاً عن نكهته المميزة، مؤكدًا أن كثيراً من المواطنين أصبحوا يسألون حالياً عن نسبة التصافي قبل الشراء وليس الوزن فقط بسبب ارتفاع الأسعار وحرص الأسر على تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الأضحية.
◄ زفتى وسندبسط.. أسواق الريف التي لا تنام
وفي مركز زفتى تحافظ الأسواق الريفية على مكانتها القوية في تجارة المواشي خاصة في قرية سندبسط التي تُعد من أشهر القرى المتخصصة في بيع العجول والأغنام. ويؤكد اللواء ضياء الدين زيدان رئيس مركز ومدينة زفتي، أن أسواق زفتى تمتاز بأسعارها المتفاوتة التي تناسب شريحة واسعة من المشترين بالإضافة إلى انتشار التربية المنزلية للمواشي في القرى وهو ما يزيد من حجم المعروض قبل عيد الأضحى.

ويضيف أن كثيراً من الأهالي يعتمدون على تربية الأضاحي طوال العام ثم بيعها في موسم العيد لتحقيق مصدر دخل يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة.
◄ أسعار الأضاحي بين العرض والطلب
ورغم الإقبال الكبير فإن الأسعار هذا العام شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالأعوام السابقة بسبب زيادة أسعار الأعلاف والنقل والرعاية البيطرية، فيما تراوح سعر كيلو البقر الذكر القائم بين 185 و190 جنيهاً بينما سجلت أنثى البقر أسعاراً تتراوح بين 165 و168 جنيهاً للكيلو، أما الجاموس الذكر فتراوح بين 160 و163 جنيهاً في حين سجلت أنثى الجاموس ما بين 150 و155 جنيهاً للكيلو القائم.
وفيما يتعلق بالأغنام والخراف فقد تراوح سعر الكيلو القائم بين 200 و210 جنيهات بينما تبدأ أسعار الخراف الكاملة من نحو 15 ألف جنيه وتزيد بحسب الوزن والحجم. كما شهدت الماعز إقبالاً ملحوظاً خاصة من الأسر محدودة الدخل حيث يبدأ سعر الكيلو القائم من 230 جنيهاً وتبدأ أسعار الماعز الكاملة من 15 ألف جنيه تقريباً.
وتختلف الأسعار من سوق لآخر بحسب حالة العرض والطلب ونوعية السلالة ووزن الحيوان فضلاً عن مهارة المشتري في التفاوض.
◄ الطب البيطري رقابة مشددة لحماية المواطنين
ومع تزايد حركة البيع والشراء أكدت الدكتورة نعمه عارف مدير مديرية الطب البيطري تكثيف حملاتها داخل الأسواق للتأكد من سلامة الحيوانات المعروضة وخلوها من الأمراض كما وجهت بنشر لجان الأطباء البيطريين داخل الأسواق لفحص المواشي والتأكد من مطابقتها للاشتراطات الصحية خاصة مع الإقبال الكبير الذي تشهده الأسواق قبل عيد الأضحى.
وأكدت أن هناك علامات يجب الانتباه إليها عند شراء الأضحية من بينها نشاط الحيوان ولمعان العينين وخلو الجسم من الجروح أو الدمامل أو الإفرازات غير الطبيعية.
كما ينصح المعلم محمود الساعي «جزار»، بعدم التسرع في الشراء والتأكد من العمر المناسب للأضحية حيث يُفضل في الأبقار والجاموس أن تكون «كسر جوز» أي تجاوزت عامين للحصول على لحم أكثر نعومة وجودة.

أما في الأغنام فينصح بألا يقل عمر الخروف عن عام كامل حتى يكون اللحم مناسباً وخالياً من القسوة. ويشير إلى أهمية فحص منطقة الظهر أو القطنية حيث يدل امتلاؤها باللحم على جودة التسمين بينما تشير بروز العظام بشكل واضح إلى ضعف الحيوان.
◄ الفصال طقس شعبي لا يغيب عن الأسواق
ورغم التطور الكبير الذي شهدته التجارة لا يزال «الفصال» أو المساومة جزءاً أصيلاً من ثقافة أسواق المواشي بالغربية، فالمشتري يبدأ بعرض سعر أقل من المطلوب بينما يتمسك البائع بسعره ثم يتدخل السماسرة لتقريب وجهات النظر حتى تُحسم الصفقة غالباً بالمصافحة التقليدية التي تُعرف بين التجار بـ«دق الكف».
ويقول المعلم حماد السايح، إن هذه الطقوس الشعبية تمثل روح الأسواق القديمة وتحافظ على طابعها التراثي الذي لم يتغير رغم مرور السنوات.
◄ شوادر ومنافذ بديلة لتخفيف الأسعار
وبالتزامن مع نشاط الأسواق الشعبية تنتشر شوادر ومنافذ بيع الأضاحي التابعة لوزارة الزراعة وبعض الجهات الحكومية بمراكز ومدن الغربية بهدف توفير الأضاحي بأسعار مناسبة للمواطنين، وتلقى هذه المنافذ إقبالاً من بعض الأسر التي تبحث عن أسعار أقل وضمانات صحية أفضل خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

من جابنها، تؤكد المهندسة حنان عامر رئيس هيئة سلامة الغذاء بالغربية استمرار حملاتها علي كل تلك المنافذ لضمان جودة وصحة اللحوم بها أن وجود هذه المنافذ ساهم في خلق حالة من التوازن داخل الأسواق ومنع المغالاة الكبيرة في الأسعار.
◄ موسم ينتظره الجميع
ولا تقتصر أهمية أسواق الماشية في الغربية على كونها أماكن للبيع والشراء فقط بل تمثل موسماً اقتصادياً مهماً تعتمد عليه آلاف الأسر، سواء من التجار أو المربين أو العاملين في النقل والأعلاف والطب البيطري.
فمع اقتراب عيد الأضحى تتحول الأسواق إلى مصدر رزق رئيسي للكثيرين بينما يرى المواطنون في شراء الأضحية شعيرة دينيةوفرحة اجتماعية ينتظرها الكبار والصغار كل عام.
وتبقى أسواق الماشية بالغربية رغم الزحام وارتفاع الأسعار واحدة من أبرز المشاهد الشعبية التي تعكس روح الريف المصري وعلاقته القديمة بتربية المواشي وتجارة الأضاحي في رحلة تبدأ قبل الفجر ولا تنتهي إلا مع غروب الشمس حيث تختلط أصوات الباعة بتكبيرات العيد ويظل السوق شاهداً على عادة مصرية متوارثة لا تغيب مهما تغيرت الظروف.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







