فى زمنٍ أصبح فيه الجميع «صُنّاع أنفسهم».. يخرج رجلٌ من قلب الضجيج، يحمل الدرع، ثم يفعل شيئًا نادرًا جدًا: لا يتحدث عن عبقريته.. ولا عن «شخصيته».. ولا عن «المشروع» الذى صنعه ..بل ينظر إلى الخلف ..
إلى الرجل الذى علّمه كيف يقف.. قبل أن يتعلم كيف ينتصر؟
معتمد جمال، بعدما صار بطلًا للدورى، لم يذهب بالكلمات نحو نفسه، ذهب بها إلى شوقى غريب.. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لأن البطولة ليست أن ترفع الكأس، البطولة أن تتذكر اليد التى علّمتك كيف تمسكها.
نحن نعيش عصرًا غريبًا؛ التلميذ فيه يخجل من أستاذه، والابن يريد أن يبدأ التاريخ من عنده، وكل ناجح يتصرف كأنه خرج من العدم.. كأن الحياة أنجبته مباشرة، دون يدٍ ساندته..أو عقلٍ ربّاه..أو قلبٍ آمن به يوم كان مجرد حلم صغير.
لكن معتمد جمال فعل العكس تمامًا.. أعاد الفضل إلى صاحبه..ردّ الدين القديم بكلمات قليلة.. لكنها كانت أثقل من الميداليات..قال ببساطة: «تعلمت من شوقى غريب الكثير».
يا الله.. كم تبدو الجملة عادية.. وكم هى عظيمة!
لأن الاعتراف بالجميل أصبح أصعب من تحقيق البطولات نفسها.
وشوقى غريب ليس مجرد مدرب مرّ على الكرة المصرية..
بل رجل يشبه «المعلم القديم» فى الحارات المصرية، الذى لا يضع اسمه على اللافتة؛ لكنّك تجد بصمته فى وجوه الناجحين.
كان هناك مع د. محمد على عندما أحرز إفريقيا للناشئين وتأهل للمونديال؛ وكان خلف المعجزة مع حسن شحاتة، فى الثلاثية التى جعلت المصريين يمشون فى الشوارع وهم يبتسمون دون سبب.. وكان هناك حين صعد بشباب مصر إلى منصة برونزية العالم، كأنهم يكتبون اسم بلدٍ كامل بعرق الابطال.. ثم عاد مرة أخرى؛ يصنع منتخبًا أوليمبيًا يعرف كيف ينظر فى عيون الكبار دون خوف، ويذهب إلى طوكيو بثقة رجال يعرفون قيمة الحلم.
لكن الإنجاز الحقيقى لشوقى غريب؛ لم يكن بطولة، ولا ميدالية، ولا حتى جيل الفرحة الجميل..الإنجاز الحقيقى هو الإنسان ؛ لأن البطولات أحيانًا يسرقها الزمن، أما الرجال الذين تصنعهم فيبقون.
هناك مدربون يضيفون نقاطًا للمسابقة، وهناك مدربون يضيفون بشرًا للحياة؛ وشوقى غريب من النوع الثانى، يصنع المدرب واللاعب معًا، ويزرع الثقة قبل الخطة، ويترك داخل كل من عمل معه شيئًا يشبهه..هدوءه.. واجتهاده.. واحترامه النادر.
ولهذا لم يكن غريبًا أن ترى معتمد جمال بطلًا.. ولا أن ترى محمد شوقى يصنع مشروعًا محترمًا مع زد..لأن بعض المعلمين لا يدرّسون الكرة فقط؛ بل يدرّسون الملامح. يعلمونك كيف تتحدث و تنجح وتصمد وتبدع تكون إنساناً ؟!
أجمل ما فى المشهد، أن التلميذ لم يهزم أستاذه، بل انتصر له وهذه أرقى درجات النجاح، وأندر أنواع الوفاء، أن يصبح تلميذك دليلًا على عبقريتك.. فى النهاية؛ كلنا نبحث عن بطولة، لكن القليل فقط من يبحث عن أثر.. وشوقى غريب يبدو من هؤلاء الذين فهموا الحياة مبكرًا، أن الكأس يعيش عامًا؛ أما الإنسان الذى تصنعه؛ فيعيش عمرًا كاملًا.. مبروك للبطل معتمد؛ وشابوه للمعلم القدير شوقى غريب.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







