عادل إمام .. حين صنع المسرح نجومية « الزعيم » !

عادل إمام
عادل إمام


محمد‭ ‬بركات

في كل مرة يذكر فيها اسم عادل امام، يتقدم المشهد المسرحي نفسه خطوة إلى الواجهة، كأن تاريخ المسرح المصري يعيد ترتيب أوراقه احتراما لتجربة فنية استثنائية امتدت لعقود.

لم يكن “الزعيم” مجرد نجم شباك أو ممثل كوميدي صاحب حضور طاغ، بل حالة فنية كاملة اعادت تشكيل علاقة الجمهور بالمسرح، وخلقت لغة خاصة من الضحك والوعي امتدت من الخشبة إلى الشارع. ومع احتفال الجمهور بعيد ميلاده، تعود مسيرته المسرحية لتروى من جديد بوصفها واحدة من أهم العلامات في تاريخ الفن العربي.

احتفل الوسط الفني والجمهور العربي بعيد ميلاد “الزعيم” عادل إمام، الذي أتم عامه الـ86، فهو من مواليد 17 مايو 1940، بقرية شها التابعة لمحافظة الدقهلية، استطاع على مدار 6 عقود أن يتربع على عرش الفن العربي، قدم ما يزيد على 160 عمل ما بين مسرح وسينما وتليفزيون وإذاعة، لكن وجوده على خشبة المسرح استغرق من العقود الستة 48 عاما، بدأت بالتحاقه بفرقة التليفزيون المسرحية عام 1962 وهو لا يزال طالبا بالجامعة، ليشارك فى أول مسرحية له “أنا وهو وهي” عام 1963، وصولا إلى مسرحية “بودي جارد”، التي افتتحت عام 1999، واستمرت عرضها على المسرح حتى عام 2010، فلعب حضوره المسرحي القوي دورا مهما في شعبيته الكبيرة، وشكلت مسرحياته علامات فارقة في تاريخ المسرح المصري والعربي.

انتقل عادل إمام مع أسرته إلى القاهرة، وبدأت رحلته مع الفن أثناء دراسته بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، حيث شارك في المسرح الجامعي، ليقف لأول مرة علي خشبته، ويبدأ حلمه الحقيقى، مع فريق الكلية، وكان يقود فريق التمثيل شخص يدعى محمد زكى جمعة، أو زكى جمعة كما عرفه الجميع، وهو الاسم الذى خلده عادل إمام لاحقا داخل واحد من أشهر مشاهد مسرحية “مدرسة المشاغبين” حين قال : فين أيام رفاعة الطهطاوى وقاسم أمين وعلى مبارك وزكى جمعة.. مين زكى جمعة ده؟، كان زكى جمعة أول من احتضن موهبة عادل إمام، وعلمه الوقوف علي خشبة المسرح.

“فرقة التليفزيون”

حينما تم تأسيس فرقة مسرح التلفزيون مطلع الستينيات، كان التحول الكبير في مسيره عادل امام المسرحية، فأصبح أحد أعضاء الفرقة، ولانه كان يمتلك أداء تلقائيا وموهبة نادرة لفت الأنظار إليه، وأعطاه الفرصة الأولى الفنان الراحل فؤاد المهندس، من خلال مسرحية “أنا وهو وهي” عام 1962، التي أخرجها الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي، لتكتب شهادة الميلاد الفنية لعادل إمام على يد أثنيْن من نجوم وأساتذة المسرح، قدم في المسرحية شخصية “دسوقي”الرجل البسيط الذي أطلق عبارته الشهيرة: “بلد شهادات صحيح”، خلال أحداث العرض، وعلقت الجملة بأذهان الجمهور، من ذلك الوجه الجديد الموهوب، في مسرح فؤاد المهندس تعلم إمام الكثير، وقبل كل شىء تعلم أن المسرح ليس مجرد إلقاء إفيهات، بل علاقة مباشرة مع الجمهور.

 

“مدرسة المشاغبين”

واصل عادل إمام الاشتراك في مسرحيات عديدة مثل “النصابين” التي عرضت عام 1966 على مسرح “الحكيم”، مسرحية “البيجامة الحمراء” عام 1967، مسرحية “أنا فين وأنت فين، غراميات عفيفي”، باحثا عن العمل الذي ينقله من ممثل في أدوار صغيرة إلى نجم جماهيري ناجح، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة في مشواره الفني من خلال بطولته مسرحية “مدرسة المشاغبين” التي استمر عرضها من عام 1971 إلى 1975 والجمهور يملأ المسرح، وإفيهات العرض يتم تداولها بين الناس فى كل مكان، حققت المسرحية نجاحاً كبيراً وأصبحت من كلاسيكيات المسرح العربي، فلم تكن المسرحية مجرد عرض ناجح، بل كانت ظاهرة اجتماعية كاملة ومفرات لغة بين الكبار والصغار، غيرت تاريخ المسرح الكوميدي، مثلت نقله نوعية كبيرة في مشواره، وانطلاقته الحقيقية كنجم مسرحي.

“بطل مطلق”

بعد نجاحه الكبيرة في “مدرسة المشاغبين”، جاء اعتذار “الزعيم” عن مسرحية”العيال كبرت” لرغبته في البطولة المطلقة، وليس الجماعية، رغم نجاح فريق “المشاغبين”، ورغم الانتقادات التي وجهت إليه لهذا السبب، إلا أن نجاح المسرحية أنسى الجمهور كل شيء، وفضل خوض بطولة “شاهد ما شافش حاجة” عام 1976، كبطل مطلق، لتكون المسرحية واحدة من أشهر المسرحيات الكوميدية في تاريخ المسرح المصري، استمر عرضها 7 سنوات كاملة، وفيها قدم عادل إمام شخصية “سرحان عبدالبصير”، وهو رجل مسالم وساذج يعمل ممثلاً في برنامج للأطفال، تحدث جريمة قتل لجارته الراقصة “عنايات” في العمارة التي يسكنها، يجبر سرحان على الإدلاء بشهادته في المحكمة لأنه كان آخر من شاهدها حية، ثم جاءت مسرحية “الواد سيد الشغال”، التي عرضت عام 1985 واستمرت إلى عام 1993، التي تدور أحداثها حول شاب يدعى “سيد” يهرب من تنفيذ عقوبة السجن، يلجأ سيد إلى خاله الذي يعمل طباخاً لدى عائلة ثرية، يبدأ سيد العمل في الفيلا كخادم ويتورط في حياة الأسرة ومشاكلهم، تتصاعد الأحداث الكوميدية عندما يطلب منه أصحاب الفيلا أن يقوم بدور “المحلل” للابنة المطلقة 3 مرات، لتبدأ المفارقات الساخرة بين طبقة الأثرياء وبساطة سيد، فيسخر العرض من عالم السلطة.

“ضد الإرهاب”

كان لعادل إمام مواقف وطنية كثيرة، كانت أبرزها موقفه ضد الإرهاب، وتحديه للجماعات الإرهابية والتكفيرية، حينما قرر الذهاب إلى محافظة أسيوط، بعد أن اقتحمت الجماعة المتطرفة على الممثلين في أحد المسارح بقرية بالمحافظة، وحرموا وجرموا الفن وتحرشوا حتى بالمواطنين الآمنين الذين يريدون الاستمتاع بالفن، موقفه الجريء كان يمثل تحديا واضحا للجماعات الإرهابية، ليقوم بعدها “الزعيم” بعرض مسرحية “الواد سيد الشغال” في عام 1988 على مسرح جامعة أسيوط.

“بودي جارد”

صاحبة أطول فترة عرض على خشبة المسرح، إذ استمر عرضها 11 عامًا على خشبة مسرح الهرم بالقاهرة من 1999 حتى 2010، وعرضت في أكثر من بلد عربي، تدور أحداث المسرحية عن شاب ساذج بسيط، يسجن بتهمة سرقة 700 مليون جنيه، وفي السجن، يعقد صفقة مع رجل أعمال يسجن أيضا بتهمة اختلاس أموال، ويتفقان على أن يعمل الشاب حارسا شخصيا “بودي جارد” لزوجة رجل الأعمال، لتكون آخر محطات “الزعيم” على خشبة المسرح، وإن لم تحقق عند عرضها التليفزيوني نفس النجاح الذي حققته أمام الجمهور، فنجد أن عدد المسرحيات التي قدمها عادل إمام أكثر من 11 مسرحية تقريبا قدمهم خلال أكثر من 60 عامًا، منهم 4 مسرحيات فقط طوال 34 عامًا، شهدت مسرحياته إقبالا كبيرا من جمهوره في مصر والوطن العربي، ما أدى إلى استمرار عرضها لفترات قياسية، تراوحت ما بين 4 أعوام و11 عامًا متواصلة، النجاح الساحق لعروضه، واستمرار عرضها لسنوات طويلة، جعلاه واحدا من أهم نجوم المسرح الجماهيري في تاريخ مصر والعالم العربي، لذلك تحولت مسرحياته إلى أيقونة من أيقونات المسرح العربي ولم تعد مجرد عروض مسرحية، بل أصبحت أفيهات محفوظة لدي أجيال متعاقبة، بشكلٍ عام يظل عادل إمام حالة فنية استثنائية من الصعب تكرارها، نجح في حفر اسمه وأعماله في وجدان الجمهور العربي، ويظل دوماً هو “زعيم الفن العربي”.

اقرأ  أيضا: ممدوح موسى يكشف تفاصيل برنامجه عن الزعيم عادل إمام

;