أحمد بشتو : الذكاء الاصطناعى لا يبنى عقولاً l حوار

الإعلامي أحمد بشتو
الإعلامي أحمد بشتو


بين سحر الميكروفون الإذاعي الذي يحمل هيبة عمالقة “ماسبيرو”، وبين بريق الكاميرات وصخب الأخبار العاجلة في كبرى القنوات الدولية والإقليمية، يقف الإعلامي القدير أحمد بشتو مقدم النشرات والتغطيات الحية بالقاهرة الإخبارية كنموذج استثنائي لـ”المذيع الصحفي” الذي يرفض القوالب الجامدة، ويمتلك أدواته الاحترافية بخبرة صقلت عبر السفر والعمل في أكثر من 35 دولة حول العالم.. “أخبار النجوم” التقت به وكان لنا معه هذا الحوار عن مشواره المهني.. 

من “فارسكور” بدمياط إلى قسم الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة؛ كيف شكلت نشأتك رؤيتك للواقع المصري قبل أن تقتحم صخب العاصمة والعمل الإعلامي؟

دمياط لها طبيعة اجتماعية وثقافية خاصة. ثقافة العمل والإبداع طاغية في كل مناحي الحياة، ولهذا تميزت دمياط في عدة صناعات، وأيضا تميزت ثقافيا حيث خرج منها نجوم ومشاهير متعددين في الأدب والعلوم والثقافة كالدكتور مصطفى مشرفة والشاعرين الكبيرين طاهر أبو فاشا وفاروق شوشة والفنان سعد أردش والسيناريست يسري الجندي والزميل السيناريست عمرو سمير عاطف. هذه البيئة أثرت في تكويني بالتأكيد. منذ وقت مبكر وأنا أبحث عن التميز والتجديد وأرفض القوالب الجامدة أو التقليدية في العمل الإعلامي. فعملنا الإخباري، مصريا ودوليا، يحتاج دوما للتجديد وإبتكار أشكال متفردة ومبتكرة لتقديم المادة الإعلامية وتبسيطها لحذب الجمهور.    

- لماذا  اخترت الصحافة والإعلام تحديدًا في جامعة القاهرة لتكون دراستك؟

منذ صغري كنت مهتما جدا بما يمكن تسميته العمل الإعلامي، بداية من مشاركتي في إصدار المجلات والإذاعة المدرسية، وحتى إصدار صحف محلية في دمياط بصحبة زملاء أعزاء. لهذا كان شغفي بدراسة الإعلام أكاديميا لصقل الموهبة، وهذا ما شجعني عليه والداي، فكان الانتقال لعالم القاهرة، للدراسة في جامعة القاهرة ولبداية العمل الاحترافي. 

- كيف ومتى جاءتك الفرصة المهنية الأولى؟ 

الفرصة جاءت على مراحل. في شكل تدريب في بعض الصحف، القومية والإقليمية، ثم الالتحاق بالعمل الإذاعي في إذاعة “البرنامج العام” بعد اختبار ضم آلاف المتقدمين، وكنت ضمن العشرة الأوائل بعد مراحل تصفيات متعددة. لا أنسى فترة التدريب الإذاعي المحترفة على يد أستاذتنا الإذاعية هالة الحديدي لمدة 9 أشهر كاملة قبل الظهور على الهواء بشعار “هنا القاهرة”. هذه فترة التكوين الاحترافي التي ساعدتني في المراحل التالية. 

- عام 1997 كانت الانطلاقة من الإذاعة المصرية.. ما “سحر الميكروفون” الذي تعلمته في “ماسبيرو” ولا تزال تحتفظ به حتى اليوم أمام كاميرات التلفزيون؟

وصف سحر الميكروفون دقيق تماما. ورغم كل سنوات العمل يظل  الميكروفون  سحره الخاص في كل ما أقدمه، سواء في نشرات إخبارية أو فترات مفتوحة. ولأن إذاعة “البرنامج العام” هي الإذاعة الأم والرسمية منذ انطلاقها في مايو 1934 وحتى اليوم، فيكفي شعوري إنني أجلس على مقعد أساتذة عمالقة سبقونا بفنهم الإذاعي الرفيع وخبرتهم وتأثيرهم. أهم ما تعملته في الإذاعة هو الانضباط الشديد. ليس فقط في التوقيت ولكن فيما أقدمه للمستمع. في تحمل مسؤولية عمل شاق رغم أي ظرف خاص. ولهذا ربما، ابتعدت عن الميكروفون لفترة بسبب السفر ،لكن العودة اليه كانت حتمية.

  التحقت بقناة “الجزيرة” عام 2002 وقضيت بها 13 عاماً.. كيف تصف التحول في المشهد الإعلامي العربي خلال تلك العقدين؟

المشهد الإعلامي دائم التجدد هذه طبيعته، هو عمل فني إبداعي متطور بطبيعته باستمرار المنافسة أيضا شديدة ومستمرة وستظل بين كل قنوات الاخبار والمنصات الإخبارية. لهذا سنظل بحاجة شديدة لتطوير أدواتنا الفنية والبشرية الإبداعية والمبتكرة. السبق الخبري والتحليلي وتقديم الخدمة الاخبارية المتكاملة، وجذب كل أنواع المشاهدين، ستظل أهدافا في سباق لا ينتهي.

- تخصصت في النشرات والبرامج الاقتصادية، وهو ملف يوصف دائماً بـ “الجاف”؛ ما هي أدواتك الخاصة لتبسيط لغة الأرقام والميزانيات للمواطن البسيط ليجد نفسه داخل الخبر الاقتصادي؟

أنا دائما لدي رأي في هذا الموضوع. المادة الإعلامية الاقتصادية صعبة لأن معظم القائمين على هذا النوع من التخصص لم يبذلوا جهدا متكااملا لتبسيطها للمتلقي. الاقتصاد هو جزء من علم الاجتماع، والحالة الاقتصادية مؤثرة في حياتنا بالتأكيد. لهذا سنجد المتلقي مهتما جدا بمتابعة الخبر والتحليل الاقتصادي إذا وجد لغة تقديمه سهلة دون تعقيدات او مصطلحات فنية مبهمة. هناك دوما طريقة لتبسيط الكلمات الصعبة، هذا دورنا وتلك أمور ممكنة جدا. حتى الجوانب المتخصصة في أخبار الاقتصاد كأخبار البورصات مثلا يمكن تبسيطها. الأمور لن تكون بهذا التعقيد، إذا بذلنا جهدا بسيطا لتوضيحها. لهذا يستخدم البعض مصطلح (أنسنة الاقتصاد) أي تبسيط المادة قدر الإمكان.

- بعد “الجزيرة” انتقلت للعمل مع قناة “الغد”.. هل الانتقال كان صعبا نفسيًا ومهنيًا؟

كما قلت: نحن نعمل بشكل احترافي. بالتأكيد ليست كل الأماكن في مستوى واحد، لكن استمرار الشغف والتحدي يجعلني أحاول دوما نقل خبرتي لكل مكان جديد ألتحق به. ربما كان من حسن حظي أنني عملت في قناة “الغد”، عام 2015، تحت رئاسة الأستاذ عبد اللطيف المناوي وكان وقتها مديرا للقناة. كما كنت بصحبة صديقي أسامة راضي، وكان وقتها مدير الأخبار بقناة “الغد” وهو حاليا مدير قناة “النيل للأخبار”، إضافة لأصدقاء آخرين، وهذا ما سهل عندي فكرة نقل الخبرة وتغيير شكل القناة.

  فكرة أن تكون مذيعا ورئيسا لقسم اقتصاد في نفس الوقت.. هل كانت مرهقة؟

العمل لا يكون مرهقا حين أحبه. وأنا أدعي أنني أجد نفسي مستمتعا في تفاصيل العمل الاعلامي وفي العمل مع فريق. وبالعكس، رئاستي لقسم الاقتصاد في قناة “الغد” ساعدتني في تحقيق جزء من أفكاري في تقديم المادة الاقتصادية بطريقة مبسطة كما أطمح دوما.

- انتقلت بين “الغد” و”Extra News” وصولاً إلى “القاهرة الإخبارية”.. كيف ترى دور “القاهرة الإخبارية” حالياً في استعادة الريادة الإعلامية المصرية إقليمياً؟

الرد هنا سيكون بسؤال: ماذا لو لم تكن “القاهرة الإخبارية” موجودة الآن وسط هذا المشهد العالمي الحالي شديد الاضطراب؟، بالتأكيد الغياب سيكون فادحا والخسارة عظيمة للإعلام المصري والعربي. “القاهرة الإخبارية” احدثت توازنا وتكاملا مهما، وساهمت وتساهم في طرح زوايا لا يطرحها الآخرون، وتؤكد الوجود المصري في صناعة الأخبار على المستوى الإقليمي والدولي.

- ماذا عن ظهورك حاليا على شاشتها؟

شاركت في “القاهرة الإخبارية” منذ التأسيس، وكانت فترة دقيقة جدا، لأن فترة إعداد الشاشة للانطلاق كانت قصيرة بكل المقاييس وكان هذا تحديا كبيرا. لهذا كان علينا جميعا بذل مجهود مضاعف مع الزميل أحمد الطاهري مدير قطاع الأخبار وقتها ثم مع الزميل سمير عمر مدير القطاع حاليا. طوال تلك الفترة شاركت في التغطيات المباشرة على الهواء للأحداث العاجلة في السودان وغزة وأوكرانيا وإيران وغيرها. شاركت أيضا في التغطيات الخارجية للمؤتمرات والفعاليات الدولية مثل مجموعة العشرين في الهند أو “الكوميسا” في زامبيا أو “البريكس” في جنوب أفريقيا وأحداث أخرى في عدد من الدول. أشارك كذلك في تقديم برنامج “المراقب”وهو برنامج تحليلي اقتصادي يومي. وساهمت أيضا في تدريب بعض الزملاء داخل قطاع الأخبار.

  بصفتك مدرباً للكوادر الإعلامية، ما الخطأ الشائع الذي تراه في “جيل المذيعين الجدد”؟ وما المهارة التي لا يمكن تعويضها بالذكاء الاصطناعي؟

مجرد قراءة النشرة لا يساوي إلا ٢٠ % فقط من كفاءة مذيع الأخبار. النسبة الباقية تثقيف المذيع لنفسه، وأن تكون له بالتالي وجهة نظر في الأحداث من حوله. التدريب المستمر لمذيع الاخبار على مختلف المهارات مهم جدا جدا. نقل الخبرات أيضا من العلامات الصحية داخل أي مؤسسة إعلامية. أنا أعتقد أن مذيع الأخبار يجب أن يمارس عمله بمنطق صحفي خالص. عملنا هو ممارسة الصحافة المرئية، في جمع الأخبار والتحليلات ثم صياغة ذلك في شكل أسئلة للضيوف للحصول على معلومة أو تحليل. هذه أمور قد تساعد فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أقول تساعد فقط .  فمن الخطر والخطأ الاعتماد عليها كليا. وللأسف هناك من يعتمد على التطبيقات دون أن يدرب عقله. تدريب العقل ومتابعة الأخبار لحظة بلحظة هي ما يخلق مذيع أخبار ناجحا. 

- لو لم تكن إعلامياً، هل كانت “الصحافة” (تخصصك الجامعي) ستخطفك إلى عالم الصحف والمطابع أم كنت ستختار مجالاً بعيداً تماماً؟

أعتبر نفسي محظوظا لأنني مارست الصحافة المكتوبة وعشت فترات بين المطابع. أنا من عشاق رائحة الورق وحبر المطابع. وأعتز جدا بصداقاتي بين الزملاء الصحفيين ورؤساء التحرير ، وأجد متعة في جلسات النقاش معهم. لذا أنا أعتبر نفسي مذيعا صحفيا. وأعتقد إن لكل تخصص متعته، سواء أمام الكاميرا أو الميكروفون أو بالكتابة أحيانا. والحمد لله عشتها جميعا.

 كل وسائل الإعلام الإخبارية العالمية تضع ضوابط صارمة واستخدامات محددة لظهور إعلامييها على الصفحات الإلكترونية، وهذا أمر مهم.

  هل ترى نفسك محظوظ مهنيا أم مازالت تنتظر فرصة حقيقة؟ 

عناية الله تحيطني دوما، والحظ قد يفيد الإعلامي الذي يبحث عن فرصة حقيقة، لكن الحظ لن يكون موجودا إذا لم يكن الشخص مستعدا للفرصة، لكي يثبت جدارته وقدرته.

  أخيرا.. ما هواياتك؟ 

القراءة هواية قديمة وجزء من روتين اليوم وأحب أيضا صيد السمك لو توافرت الظروف، وبالتأكيد الاجتماع مع أصدقاء الطفولة. 

اقرأ  أيضا: دينا صلاح الدين : الإذاعة بيتى الأول .. والتليفزيون حلم وتحقق l حوار

;